الدولة الأردنية الحديثة دولة قوية راسخة، تمتلك من المناعة الاستراتيجية والصلابة السياسية ما يجعلها أكبر بكثير من أن تهزها أعمال إرهابية جبانة، أو محاولات يائسة للنيل من هيبتها واستقرارها وأمنها القومي.
وسيبقى الأردن، بقوة مؤسساته، ووعي أبنائه وتلاحمهم، وحكمة قيادته، وصلابة مؤسساته الوطنية وجيشه وأجهزته الأمنية الباسلة، واحة أمن واستقرار منيعة وإن كثرت المحن وتتابعت التحديات الجسام.
إنّ تاريخ الأردن المجيد سُطِّرَ بمدادٍ من العزّة وبدماءٍ زكيةٍ قدّمها أبناؤه الأوفياء على مرّ العقود دفاعاً عن ثرى الوطن وحمايةً لصرحه الشامخ؛ فالدم الأردني الغالي والعزيز قُدّم فداءً لرفعة الأردن وصون كرامته واستقلاله.
وعلى مر العقود الماضية، تجلت تضحيات الأردنيين في محطاتٍ تاريخيةٍ مفصلية استبسلت فيها القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية والشعب الأبيّ؛ فمن معارك القدس واللطرون وباب الواد عام 1948 التي شهدت بطولاتٍ نادرة واستشهاد كوكبة من أبطال الجيش العربي على أسوار القدس الشريف، إلى حرب حزيران إلى ملاحم البطولة في معركة الكرامة الخالدة عام 1968 التي حطمت أوهام العدو وأثبتت أن الإرادة الأردنية لا تُقهر، وصولاً إلى مواجهة يد الإرهاب الغاشم في حوادث عدة؛ منها العمل الإرهابي الذي استهدف مجموعة فنادق في العاصمة عمّان، وحوادث إرهابية أخرى في إربد، والسلط، وجرش، والفحيص، وعين الباشا، والكرك وغيرها، حيث قدم منتسبو الأجهزة الأمنية وأبناء القوات المسلحة أرواحهم بكل شجاعة لإبقاء الأردن واحة أمنٍ واستقرار.
إن هذه التضحيات العظام تؤكد دوماً أن الأردنيين يسترخصون الغالي والنفيس لتظل راية الوطن خفاقة، وأن كل قطرة دمٍ أردنية سقطت على ثرى هذا الوطن هي وسام شرف يزين صدر التاريخ، وشهادة حية على عظمة هذا الشعب ووفائه لأرضه وقيادته.
وفي هذا السياق الوطني الراسخ، يأتي العمل الإرهابي الآثم الذي تعرض له أحد مرتبات الأمن العام (الشهيد العريف جواد السلايطة)، ليؤكد مجدداً أن هذه الأعمال الإجرامية لا تزيد الدولة ومؤسساتها إلا إصراراً على اجتثاث جذور التطرف بمختلف مسمياته وانواعه وحماية المصالح العليا للوطن، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن ومقدراته وسيادته الوطنية.
ولأن رجال الأمن العام والأجهزة الأمنية يمثلون الركيزة الجوهرية لمنظومة الردع الوطني في حفظ الأمن والأمان، فإنهم يقفون بكل شجاعة وإيثار في خط المواجهة الأول لحماية الجبهة الداخلية وتحصين الاستقرار الاستراتيجي، فداءً لتراب الوطن ودفاعاً عن مواطنيه حيث تجلت هذه البطولة الاستثنائية بوضوح في الفعل الميداني البطولي لرجل الأمن فراس العنانزة؛ والذي حال تدخله بشجاعة منقطعة النظير دون إزهاق أرواح المزيد من الأردنيين الأبرياء الذين كانوا في موقع الحادث الإرهابي.
إن هذا الاعتداء على رجل أمن أثناء تأديته لواجبه المقدس هو استهداف مباشر لاستقرار الدولة والمجتمع، وهو ما يحتم علينا جميعاً الوقوف خلف مؤسساتنا الوطنية العريقة التي طالما كانت الضمانة الاستراتيجية الحقيقية لاستقرارنا، والتحلي بالثقة المطلقة بما يصدر عنها من قول أو فعل.
ونحن على ثقة مطلقة بأن الدولة ماضية بقوة القانون في صون مقدراتها وحراسة مكتسباتها الوطنية، وأنه لم يعد مقبولاً من بعد اليوم أي تهاون مع الخارجين عن القانون، لتكون العقوبات أداة حماية استراتيجية للأمن المجتمعي ودرعاً لكل من يحاول المساس بأرواح الأبرياء أو أمن المجتمع.
وإذا كانت مطالبة الدولة بقوة الحزم مصلحة استراتيجية وطنية لمواجهة الجرائم بمختلف أشكالها، فإن الوعي المجتمعي المتقدم للأردنيين -كخط دفاع استراتيجي أول وركيزة أساسية في الأمن الوطني الشامل لمواجهة الفكر المتطرف الذي لا يمت لديننا الحنيف السمح ولا لقيمنا ولا لعاداتنا بصلة، إضافة إلى رفض المجتمع بمختلف أطيافه وفئاته لكل أشكال التطرف- يشكلان جداراً منيعاً وحصناً سيادياً يحبط أهداف أولئك الأشرار الذين يسعون عبثاً لزعزعة الثقة، أو زرع الفرقة، أو المساس بالاستقرار الوطني.
واليوم، يقع على عاتق كل مواطن أردني، وكل مقيم على هذه الأرض الطاهرة، دور استباقي ويقظة تامة في إسناد الأجهزة الأمنية، والتبليغ عن أي اشتباه يمس الأمن العام، وترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية التي تعتبر أمن الوطن خطاً أحمر لا يمكن التهاون فيه.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة، ورحم كافة شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم فداءً لرفعة الأردن وصون كرامته، وحفظ الله الأردن عزيزاً منيعاً في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة.