والسؤال هنا سؤال أخلاقي وإنساني، وليس مجرد سؤال سياسي أو عسكري. كيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى درجة من التجرد من إنسانيته، فيتحول القتل لديه من فعل استثنائي إلى فعل منهجي، بل إلى فعل يراه مبررا أو ضروريا؟
إن التجرد من الإنسانية ليس سلوكا آنيا عابرا، ولكنه عملية مركبة تسهم في تشكيلها عوامل عديدة: تكوينية نفسية، واجتماعية، وثقافية وأيديولوجية. وفي هذه العملية يتراجع حضور الآخر بوصفه إنسانا له مشاعره وحقوقه وحياته، ليغدو مجرد عدو، أو خطر، أو عائق، أو شيءيجب التخلص منه. حينئذ يصبح قتل الآخر فعلا مبررا أخلاقيا ونفسيا؛ فالقاتل لا ينظر إلى الإنسان بوصفه إنسانا، بل يرى فيه مجرد هدف معاد تجب إزالته.
إن خطورة هذا الفعل لا تتمثل في فعل القتل نفسه، بل يتجلى باللغة والصورة والتصنيف. الذي يرى في الآخر«عدوا»، مجردا من الاسم والذاكرة والعائلة، وهو خطر مهدد كامن.هذه الصورة تنبثق من البنية الثقافية التربوية الدينية ذات البعد الأسطوري التي تتجسد في سلوك سياسي عسكري محكوم بالعنف، القتل بالنسبة له فعل مبرر أخلاقيا ودينيا.
وثمة شواهد راهنة تظهر ذلك. فقد شهد القرن العشرون نماذج مروعة من العنف الجماعي، من النازية إلى حروب فيتنام والبوسنة ورواندا، حيث لم يكن القتل مجرد فعل فردي، بل فعل مارسته جماعات مؤسسية تتبنى أيديولوجيات متعصبة،ووسائل فعالة للدعاية والتعبئة.
لكن المأساة لا تنتمي إلى الماضي البعيد أو القريب وحده. فما يحدث في غزة يعيد الصورة الدموية الأقسى لهذه الظاهرة. فأرقام الضحايا الضخمة تتجاوز ما فعله الأخرون قياسا إلى عدد السكان وجغرافيا القطاع الضيقة. لقد صاحب عمليات القتل المنهجي تدمير واسع للبيوت والمستشفيات والمدارس ودور العبادة والطرق والمخيمات ومقومات الحياة. وهو فعل تعجز اللغة عن التعبير عنه أو وصفه. هنا يطرح السؤال عن قيمة الحياة الإنسانية، حين يتحول قطاع من الأرض إلى ساحة مستباحة للقتل والدمار والرعب.
إن مفهوم «الدفاع عن النفس» الذي اتخذ ذريعة للقتل مفهوم يحتاج إلى تأمل أخلاقي وقانوني. فحق الدولة والبشر فيها في الدفاع عن النفس لا يمكن، مبدئيا، أن يكون تفويضا للقتل الجماعي الذي لا يتوقف عند حد.
إن وصف شعب كامل بأنه خطر، وأنه عدو ينبغي التخلص منه، يجعل فعل القتل فعلا وطنيا يستحق الإشادة والتقدير. وهو ما مارسته عبر التاريخ العقائد الدينية العمياء التي جردت وتجرد الآخرين من كونهم بشرا. وقد كانت اللغة مقدمة للعنف وتبرير القتل، وتجريد البشر من " إنسانيتهم".
إن السؤال المر ليس: لماذامارس الإنسان فعل القتل؟ولكن:كيف أقنع نفسه بأن الذي يقتله ليس إنسانا؟ لقد كان قتل الطفلة هند رجب نموذجا لهذا الفعل الذي لا يعترف بإنسانية الإنسان.