الارهابيون خططوا للهجوم بان يكون لحظة انكسار للأردنيين وفوضى في بلدهم، لكنه تحول الى لحظة كشفت معدن الشعب الأردني وصلابة دولته وعمق روابطه الوطنية والإنسانية.
فكانت ردة الفعل الرسمية سريعة وحازمة، بدءا من مواقف جلالة عبد الله الثاني وزيارته للجرحى في مستشفيات الكرك وحضوره لبيت العزاء لمواساة أهالي الضحايا وتوعده بان الإرهابيين لن يفلتوا من العقاب، وتوجيهاته بإعادة النظر في استراتيجية مكافحة الإرهاب، مرورا بإعلان الحداد الرسمي ومتابعة الحكومة والأجهزة الأمنية والقضائية للجريمة وصولا الى القاء القبض على الجناة.
نعم كانت الدولة كلها حاضرة في لحظة الألم والخوف، ليس فقط من خلال مؤسساتها الأمنية انما أيضا من خلال حضورها الإنساني والأخلاقي والوقوف الى جانب ذوي الضحايا والمصابين ودعمهم والتخفيف عليهم، فكانت هذه المواقف بلسما لجراح اهل حمود وقلوب كل الأردنيين.
والمشهد الشعبي كان رائعا في تضامنه فتحول بيت العزاء الى بيوت عزاء في كل مكان وجاءت المدن والقرى والعشائر والفعاليات الرسمية والاجتماعية والدينية الى حمود ليقف المسلم الى جانب أخيه المسيحي المكلوم لدرجة لم تعد تفرق بين صاحب عزاء ومعز.
ضرب الارهابيون، فجاء الرد الرسمي والشعبي بلسما يداوي الجراح ورسالة اقوى من الرصاص، لن تنجحوا في تفريقنا ولن تجعلوا من اختلافنا الديني سببا للفرقة، ولن يكون الأردن وطنا للكراهية والخوف.
هذا هو معدن الأردنيين اللذين تصقلهم المحن وتزيدهم صلابة وتماسكا والتفافا حول دولتهم ونظامهم السياسي.
حتما لم يجد الإرهاب في الشارع الأردني ما يهدف اليه، لم يجد هلعا وخوفا، لم يجد انتقاما او تحريضا، او دعوات لحمل السلاح والثأر، لم يجد خطاب كراهية او اتهامات متبادلة، بل وجد تضامنا وتكاتفا وإصرارا على حماية الأردن.
وهنا جاءت هزيمة الجناة ومشغليهم، فهم وان امتلكوا السلاح لكنهم لم يمتلكوا المقدرة على نزع المحبة والإنسانية من قلوب الأردنيين، نجحوا في قتل الأمنيين لكنهم لم يستطيعوا نزع فكرة العيش المشترك التي تميز جينات الشعب الأردني.
صحيح ان كنيسة حمود ستبقى شاهدة على جريمة إرهابية بشعة، لكنها ستبقى أيضا شاهدة على موقف رسمي وشعبي نبيل، وسيبقى دم الشهداء امانة في اعناقنا جميعا، لا لتغذية الحقد وروح الانتقام، بل لتعزيز السلم الاهلي وحماية الأردن.
المطلوب اليوم ان نحول هذه الجريمة البشعة الى لحظة وطنية لمراجعة جذور الفكر التكفيري ومصادر تغذيته وطرق انتشاره، وان تكون مواجهة فكرية ودينية وتربوية وثقافية ولا تقل عن أهمية المواجهة الأمنية.
فالإرهاب لا يبدأ بالرصاص فورا، بل يبدأ بشخص يفكر بطريقة متطرفة تنزع عن الاخر انسانيته وتمنح المعتدي وهما بانه يمتلك الحقيقة المطلقة ويمتلك حق تكفير الاخر وقتله.
نشد على ايادي الدولة في ضبط المشهد العام وتفعيل قانون الجرائم الالكترونية لمنع الانفلات على الحياة الخاصة للناس بواسطة السوشال ميديا. والتدقيق على كل كلمة تعتدي على الحريات الخاصة او تعتدي على كرامة الانسان، وليعرف صاحب الفتنة ان كلمته لن تمر الا بعقاب رادع حسب القانون.
المجد والخلود لشهداء الأردن.
(رئيس مجلس إدارة وكالة الانباء الأردنية)