من تسعير السلعة إلى تسعير المستهلك

تاريخ النشر : الاثنين 11:30 5-10-2026
د. يوسف منصور

لم تعد المنافسة في تجارة التجزئة تدور فقط حول من يملك المتجر الأفضل، أو الموقع الأفضل، أو السعر الأقل. هناك منافسة جديدة تتشكل بين نموذجين مختلفين تماماً: متجر يشتري البضاعة أولاً ثم ينتظر المستهلك، ومنصة رقمية تبدأ بالمستهلك، تعرف ما يبحث عنه، وتعرض عليه ما يرجح أنه يريد، ثم تستطيع أن ترسل إليه السلعة من مكان يبعد آلاف الكيلومترات. الذكاء الاصطناعي يجعل الفارق بين النموذجين أكبر.

للتجارة الإلكترونية فوائد اقتصادية واضحة. فقد وسعت خيارات المستهلك، وخفضت كلفة البحث والمقارنة، وسمحت للشركات بالوصول إلى أسواق لم تكن تستطيع الوصول إليها سابقاً. ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت المنصات أكثر قدرة على تحليل الطلب، والتنبؤ بالأذواق، واقتراح المنتجات، وتوجيه الإعلان إلى الأشخاص الأكثر احتمالاً للشراء، بدلاً من إنفاق الأموال على حملات إعلانية عامة لا يعرف البائع من سيستجيب لها.

لكن خلف هذه الكفاءة توجد معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن تلك التي يواجهها المتجر التقليدي. فصاحب المتجر يختار البضاعة قبل الموسم، ويشتريها ويمولها ويشحنها ويخلصها جمركياً، ثم يتحمل الضرائب والرسوم والإيجار ورواتب العاملين والكهرباء والتجهيزات. وبعد كل ذلك ينتظر أن يدخل المستهلك من الباب.

وإذا أخطأ التاجر في تقدير اللون أو المقاس أو الموضة أو حجم الطلب، تبقى البضاعة على الرف. ورأس المال الذي كان يفترض أن يدور ويتحول إلى مبيعات يصبح مخزوناً راكداً. ثم تبدأ التنزيلات، وقد يضطر التاجر في نهاية الموسم إلى البيع بهامش ضئيل، وربما بخسارة، لكي يستعيد جزءاً من السيولة.

أما المنصة الإلكترونية العالمية فتستطيع أن تعمل بمعادلة مختلفة. يمكنها عرض آلاف المنتجات، واختبار الطلب عليها رقمياً، ومعرفة المنتجات التي تجذب الاهتمام قبل وصولها إلى المستهلك، ثم توجيه السلعة المطلوبة إليه مباشرة. وبفضل الحجم الهائل لعملياتها تستطيع توزيع كلفة التكنولوجيا والتخزين والتسويق والشحن على ملايين المعاملات وعشرات الأسواق.

وفي الأردن تضاف إلى ذلك مسألة الضرائب والجمارك. فالملابس المستوردة تجارياً تمر عبر نظام جمركي وضريبي تختلف فيه التعرفة بحسب نوع السلعة وتصنيفها ومنشئها والاتفاقيات التجارية المطبقة. كما يتحمل التاجر المحلي بقية كلف ممارسة النشاط داخل الاقتصاد الأردني.

لكن الفرق الحقيقي بين النموذجين قد لا يكون في الضرائب، ولا في الإيجار، ولا حتى في المخزون، بل في المعلومات. فالمتجر التقليدي يعرف الكثير عن السلعة والقليل نسبياً عن الشخص الذي سيدخل لشرائها. أما المنصة الرقمية فقد تعرف ما بحث عنه المستهلك بالأمس، وما اشتراه الشهر الماضي، والمنتجات التي شاهدها ولم يشترها، والمدة التي قضاها في مشاهدة سلعة معينة، والأسعار التي اعتاد دفعها، وموقعه، وعشرات وربما مئات الإشارات الأخرى الناتجة عن سلوكه الرقمي.

هذه المعلومات كانت تستخدم أساساً للإعلان: إذا كنت مهتماً بالرياضة يظهر لك حذاء رياضي، وإذا بحثت عن رحلة تبدأ عروض الفنادق والطيران بالظهور أمامك. لكن الذكاء الاصطناعي يسمح بالانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فبدلاً من استخدام البيانات فقط لمعرفة ماذا تريد، يمكن استخدامها لمحاولة معرفة كم أنت مستعد أن تدفع.

وهنا نقترب من مفهوم اقتصادي قديم هو التمييز السعري من الدرجة الأولى، سأشرحه بمثال: لنفترض أن ثلاثة أشخاص يريدون شراء السلعة نفسها. الأول مستعد لدفع 50 ديناراً، والثاني 40، والثالث 30. إذا كان السعر المعلن 30 ديناراً للجميع، يحصل الأول والثاني على منفعة لأنهما كانا مستعدين لدفع أكثر من السعر الفعلي. هذه المنفعة يسميها الاقتصاديون فائض المستهلك. فإذا كنت مستعداً لدفع 50 ديناراً مقابل قميص واشتريته بـ30، حصلت على فائض مستهلك مقداره 20 ديناراً.

لكن ماذا يحدث إذا استطاعت الخوارزمية أن تعرف، أو على الأقل أن تتنبأ بدرجة عالية من الدقة، بأنك مستعد لدفع 50، من وجهة نظر البائع يصبح السعر المثالي لك أقرب إلى 50، بينما قد يكون 40 لمستهلك آخر و30 لثالث. وكلما اقترب البائع من معرفة الحد الأقصى لاستعداد كل شخص للدفع، اقترب نظرياً من التمييز السعري من الدرجة الأولى، وانتقل جزء أكبر من فائض المستهلك إلى البائع. أي أن ما كان افتراضاً نظرياً يصعب تطبيقه في كتب الاقتصاد أصبح الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قادرين على تقريب الأسواق منه.

هذا التسعير الشخصي ليس ضاراً بالضرورة في جميع الحالات. فقد تستخدم الشركة المعلومات لتقديم سعر أقل إلى مستهلك شديد الحساسية للسعر، فيشتري سلعة لم يكن سيشتريها بالسعر الموحد. ويمكن للتمييز السعري، في ظروف معينة، أن يوسع السوق ويزيد المبيعات. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعرف المستهلك أن السعر الذي يراه قد لا يكون السعر نفسه الذي يراه الآخر، وعندما تستخدم معلومات شخصية وسلوكية لا يعرف حجمها أو كيفية جمعها لتقدير أقصى مبلغ يمكن اخذه منه.

ماذا لو انتقلت الفكرة نفسها إلى البنوك والقروض؟ هنا تصبح القضية أكثر أهمية. فالبنوك تستخدم أصلاً نظام تسعير يرتكز على المخاطر. فالعميل الذي ترتفع احتمالات تعثره قد يدفع سعر فائدة أعلى من عميل يتمتع بتاريخ ائتماني قوي ودخل مستقر. فاختلاف السعر هنا يعكس اختلاف تكلفة المخاطر. لكن الذكاء الاصطناعي يمكن، من حيث المبدأ، أن يسمح للبنك بالإجابة عن سؤال مختلف تماماً، وهو: ما أعلى سعر فائدة سيكون هذا العميل مستعداً لقبوله؟

لنفترض أن مخاطر العميل وكلفة الأموال وهامش الربح الطبيعي تبرر قرضاً بفائدة 7%. لكن البنك يستطيع من خلال البيانات أن يعرف أن راتب العميل يدخل إلى البنك نفسه، وأن لديه التزامات مالية عاجلة، وأن رصيده يتراجع بسرعة، وأن نمط معاملاته يدل على حاجته إلى السيولة، وأنه لا يقارن كثيراً بين عروض البنوك، وأنه سبق أن قبل عروضاً ائتمانية بسرعة. إذا استطاعت الخوارزمية أن تستنتج أنه سيقبل قرضاً بفائدة 9.5%، فهل سيعرض عليه البنك 7% أم 9.5%؟

إذا كانت الزيادة تعكس ارتفاع احتمال عدم السداد، فهي تسعير للمخاطر. أما إذا كان العميل لا يختلف في مخاطره عن غيره، لكنه يدفع أكثر فقط لأن الخوارزمية اكتشفت أنه أكثر استعداداً أو اضطراراً للدفع، فنحن أمام شيء مختلف تماماً، وهو تسعير للاستعداد للدفع. وهنا يقترب التسعير المصرفي نفسه من فكرة التمييز السعري من الدرجة الأولى.

تمتلك البنوك والمؤسسات المالية بيانات أكثر حساسية من تلك المتاحة لمتجر إلكتروني. فقد تعرف تدفقات الراتب، والأرصدة، والإنفاق الشهري، واستخدام البطاقة، وانتظام دفع الفواتير، والقروض القائمة، والتحويلات، والسحب النقدي. ومع توسع استخدام البيانات البديلة يمكن أن تدخل إشارات أخرى في نماذج التقييم.

فكلما عرف البنك العميل بصورة أفضل، أصبح أكثر قدرة على تقدير مخاطره؛ لكنه قد يصبح أيضاً أكثر قدرة على تقدير ضعفه التفاوضي. وإذا استخدمت هذه المعرفة ليس لتقدير احتمال السداد وإنما لتقدير أقصى فائدة يقبلها العميل، تتحول البيانات من أداة لقياس المخاطر إلى أداة لاستخراج فائض المستهلك، أو ما يمكن تسميته باللغة الدارجة، استغلال المستهلك.

ومن هنا يظهر دور السياسة الاقتصادية وقوانين المنافسة وحماية البيانات والمستهلك. المطلوب ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، وإنما تحديد الحدود بين التخصيص الذي يزيد الكفاءة والتخصيص الذي يستخرج فائض المستهلك اعتماداً على معلومات لا يملك المستهلك قوة مماثلة لمواجهتها. وهنا أيضاً يبدأ التحدي الاقتصادي الكبير القادم.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }