في الكرك، كانت أول قصة لولادة نادي إبداع الكرك، ليكون منارة تخلد روح شاب غادر الحياة في عمر الزهور، وتنير درب آلاف المبدعين من الأطفال واليافعين والشباب وتكسر مركزية الإبداع، ممهدة الطريق لقصص نجاح ملهمة تجاوزت حدود الوطن ليتردد صداها عالمياً وعربياً.
قصة «إبداع الكرك» حكاية أمل انبثقت من رحم الفقد والوجع الذي يعتصر قلب المهندس حسام الطراونة الذي ودّع ابنه أحمد وهو في الثامنة عشرة من عمره اثر تعرضه لحادث سير، بعدما كان طالبا متفوقا يفيض بالموهبة والشغف، وحاصلًا على جائزة الملك عبدالله الثاني لأفضل طالب في كينجز أكاديمي، ليمد الأب المكلوم يده لكل طفل وشاب يملك شرارة تميز، ليصنع لهم الحاضنة التي حولت شغفهم وأحلامهم لإنجازات تحدت المستحيل.
انطلاقة النادي كانت قبل «16» عاما بإمكانيات متواضعة جدًا، بطاولة وخمسة كراسي داخل غرفتين مستأجرتين في الكرك، وبموازنة صفرية، الا أنه استطاع رغم عظم التحديات والتشكيك بالصمود والاستمرارية أن يثبت أنه «مختبر للمستحيل» وبيئة حاضنة للإبداع والابتكار ومنصة لإطلاق علماء الغد، الذين كانوا يحتاجون لفرصة.
ولتفهم حجم أثر النادي على شباب الكرك، نروي قصة الشاب وسام القطاونة، طالب الطب في جامعة مؤتة بالسنة السادسة والذي مثل تجسيدا لنجاح هذه المؤسسة الأهلية التطوعية، فقد بدأ كأحد رواد النادي، حيث غاص في عوالم الأردوينو، الروبوتكس، والبرمجة، حيث لم يكن الدعم هناك مجرد نصائح عامة، بل حصل على تدريبات تقنية وتطبيقية مكثفة في البحث العلمي، لغة «C++»، والتصنيع الرقمي.
بفضل هذه التنشئة العملية، لم يبقَ وسام مجرد طالب طب تقليدي؛ بل دمج الطب بالتكنولوجيا ليؤسس شركة «qlpco» كمدير تكنولوجي، ويبتكر تقنيات إنترنت الأشياء لإنقاذ مرضى السكتات القلبية، ليشكل النادي الجسر الذي مكّنه من صقل شخصيته، ليشارك في مؤتمر الصحة العالمي 2022، ومؤتمرات فاي للعلوم، ومصنع الأفكار، واليوم، يبرز وسام كمرشح لبرنامج «نجوم العلوم» وحائز على المركز الأول في جائزة أورنج للمشاريع المجتمعية.
أما هيثم المعايطة، طالب في الصف الثاني الثانوي بمدرسة الشهيد سائد المعايطة الثانوية للبنين، كان لديه شغف الابتكار منذ الصغر، لكنه لم يجد البيئة الحاضنة التي تحفزه على تطوير موهبته بالشكل المناسب، ليستدل في العام 2021 على «إبداع الكرك» ليبدأ رحلته في التدريب واكتساب المهارات، التي حولت موهبته في البرمجة إلى ابتكار يخدم البيئة والزراعة.
فكانت أول دورة شارك فيها المعايطة «نيوتن الصغير»، أتقن من خلالها أساسيات التفكير الإبداعي والتفكير النقدي، والهندسة، والروبوتات ليتبعها بدورات الأردوينو في أساسيات استخدام البرمجة، والطباعة ثلاثية الأبعاد في مختبر التصنيع الرقمي التابع للنادي الامر الذي عبد الطريق أمامه للبدء بفكرة مشروعه الابتكاري بتصميم «دورن» لتلقيح النباتات.
ويحاكي ابتكار المعايطة «طنين النحل» باستخدام تقنية الموجات الصوتية الموجّهة، حيث يعمل حاليا على تطوير نسخته الثالثة، بتصميم طائرة مسيّرة كبيرة قادرة على التحكم بعدد من الطائرات المسيّرة الصغيرة، مما يمكن أن يوسع نطاق المشروع ليشمل أنواعًا مختلفة من النباتات، وليس فقط النباتات التي يمكن تلقيحها باستخدام الاهتزازات الصوتية.
وتمثل رحلة المهندسة سهى الحباشنة خريجة جامعة مؤتة، تخصص هندسة حاسوب مع النادي محطة أخرى لدور النادي في اكتشاف المبدعين ودعمهم وغرس ثقافة العمل التطوعي وخدمة المجتمع وصولا إلى التأهيل والتمكين، فالحباشنة التي بدأت العمل في النادي 2015 كمتطوعة واستفادت من الدورات التي يعقدها في ريادة الأعمال إيمان النادي بقدراتها فرشحها للمشاركة في دورة متخصصة في برمجة البوردات الالكترونية «الأردوينو» مع انتل؛ ما أكسبها خبرات واسعة نقلتها لرواد النادي.
ولم يتوقف طموح الحباشنة فواصلت تطوير قدراتها من خلال النادي بالتحاقها بدورات متعددة في الروبوت والتفكير الناقد والإبداعي لتعمل بعدها كمنفذ ميداني ضمن مشروع شباب قائد للتغيير والتقدم، ليضمها النادي لكادره كمسؤولة عن البحث العلمي للتدرج بمواقع العمل من مشرفة لمختبر الألعاب الأردني بالاضافة الى مهامها كمدرب للروبوتات والبرمجة والاردوينو والتفكير الناقد والإبداعي لتشغل اليوم موقع رئيسة قسم العلوم والتكنولوجيا ومديرة مختبر التصنيع الرقمي علاوة على كونها معتمدة كمدرب دولي في التصنيع الرقمي بموجب الشهادة الممنوحة لها من «فاب أكاديمي».
وقال الرئيس التنفيذي للنادي المهندس حسام الطراونة لـ $ في عام 2010 ولد النادي وتحول من حلم شخصي مغروس في العقل والوجدان بضرورة تطوير التعليم من نظري تلقيني تقاس مخرجاته بمقدار الحفظ الى تعليم علمي تطبيقي يعتمد التفكير الناقد والتحليلي من خلال مؤسسة تطوعية أهلية، تحتضن وترعى الإبداع و الابتكار والريادة وتلبي شغف المعرفة وتطلق الطاقات الابداعية بالمفهوم الأوسع والشامل للإبداع.
وأضاف البداية كانت متواضعة جداً، كثيرون رأوا أن هذا المشروع لن يستمر طويلا وآخرون رأوا أن مدينة صغيرة لا تحتاج إلى مركز للإبداع والابتكار، لكنني كنت أؤمن أن الإبداع ليس لسكان العواصم بل قد يولد من أي قرية ومكان إن وجد من يكتشفه وينميه ويدعمه.
وتابع، اليوم وبعد ستة عشر عاما من العمل الجاد والمتواصل وتخطي تحديات كبرى لعل أهمها التحدي المالي الحاضر دائما، انتقل النادي من غرفتين مستأجرتين إلى مبنى يملكه النادي بمكرمة ملكية مكون من أربعة طوابق يضم مختبر التصنيع الرقمي، مختبر الألعاب الالكترونية، مختبر الروبوت والالكترونيات للأطفال، مختبرات الحاسوب، المرسم، استديو للإنتاج الاعلامي، حاضنة الأعمال، قاعات للتدريب، ومكاتب لفريق العمل الدائم لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو العمل على رفع مهارات وقدرات الأطفال والشباب والكبار بما يواكب أدوات عصر العلوم والتكنولوجيا الذي نعيشه.
وأكد الطراونة أن أعظم إنجاز حققه النادي الذي راعى منذ انطلاقته ولغاية اليوم ما يزيد عن أربعين ألف شخص من مختلف الأعمار بالمجان، هو بناء الإنسان وتعليم الأطفال والشباب كيف يفكرون لا ماذا يحفظون، وتعليمهم العلوم الحديثة، مهارات الحياة، الفنون، الابتكار والمنافسة وتقدير الذات والثقة بالنفس والعمل الجماعي، كما تعلمنا كفريق عمل أن الشغف والرغبة في التعلم لا يتقاعدان، وأن نقص التمويل المالي والعقبات والتحديات ليست إشارات للتوقف بل هي اختبارات لمدى إيماننا لما نقوم به.
نادي الإبداع، الذي غير مسار حياة أكثر من 40 ألف طفل وشاب، يحتاج اليوم الى الدعم المالي ليبقى حياً، فقصة «وسام وهيثم» صرخة واضحة تثبت أن دعم النادي ليس تبرعاً عابراً، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الأردن الطبي والتقني، فكم من طفل وشاب ما يزالون ينتظرون فرصهم هناك؟