تعمل المؤسسات التعليمية على تحويل الريادة والابتكار من مفاهيم نظرية إلى ممارسات عملية تفتح أمام الطلبة والمعلمين مساحات للتجربة والإبداع وصناعة الحلول، وتمنح الأفكار فرصة للنمو وصولاً إلى مشاريع ومبادرات قادرة على تحقيق أثر في المجتمع.
وفي جامعة مؤتة ومديرية التربية والتعليم للواء المزار الجنوبي، تتشكل تجارب متنامية في هذا المجال، من خلال مراكز وبرامج وأندية ومبادرات تعمل على اكتشاف المواهب وصقل قدرات الطلبة والمعلمين، وتعزيز ثقافة الابتكار وربط المعرفة بالتطبيق العملي واحتياجات سوق العمل.
ويواصل مركز الريادة والابتكار بجامعة مؤتة دوره في توفير بيئة حاضنة للأفكار الإبداعية والمشاريع الريادية، من خلال برامج تدريبية وورشات عمل ومبادرات تستهدف الطلبة والرياديين، وتسهم في تطوير قدراتهم وتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
يقول مدير المركز وليد الرواضية، إن المركز يعمل على بناء منظومة متكاملة للريادة والابتكار تبدأ باكتشاف الأفكار والمواهب بين الطلبة، مروراً بتطويرها وتقديم التدريب والإرشاد، وصولاً إلى مساعدة أصحاب المشاريع على دراسة احتياجات السوق وبناء نماذج أعمال قابلة للاستمرار.
ويوضح أن المركز ينظر إلى الريادة باعتبارها ثقافة وممارسة مستمرة، وليست نشاطاً مرتبطاً بالمسابقات والفعاليات فقط، بهدف منح الطلبة فرصة للتفكير بطريقة مختلفة واكتشاف حلول مبتكرة للتحديات، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى مشاريع ذات قيمة اقتصادية ومجتمعية.
ويشير الرواضية إلى أن «جائزة مؤتة للريادة» تمثل إحدى المبادرات البارزة للمركز، حيث أتاحت للطلبة عرض أفكارهم ومشاريعهم أمام لجان متخصصة، وأسهمت في إبراز نماذج ريادية في مجالات تكنولوجية وصناعية ومجتمعية متنوعة.
ويولي المركز التدريب العملي أهمية خاصة، من خلال ورشات وبرامج متخصصة في تطوير المشاريع ودراسة السوق وتحسين المنتجات، إضافة إلى برامج تتناول المواصفات والمقاييس للصناعات الصغيرة، ومنها الصناعات الغذائية المنزلية، بما يساعد أصحاب المشاريع على رفع جودة منتجاتهم وقدرتها على المنافسة.
ويؤكد الرواضية أهمية الشراكات مع مؤسسات القطاعين العام والخاص، لتوفير فرص التدريب والتشبيك والاستفادة من الخبرات المتخصصة، وتعريف أصحاب المشاريع بالجهات الداعمة والفرص المتاحة، مشيراً إلى أن المركز يعمل على تطوير برامجه بما يتلاءم مع التحولات في سوق العمل، مع التركيز على الابتكار الرقمي وريادة الأعمال التكنولوجية.
وعبر طلبة مشاركون في برامج المركز عن أهمية هذه البرامج في نقلهم من التفكير النظري إلى التطبيق العملي، مؤكدين أن الورشات والمسابقات والتدريب ساعدتهم على اكتشاف قدراتهم وتطوير أفكارهم بصورة أكثر وضوحاً.
وأوضحوا أن البرامج أتاحت لهم التعرف إلى مراحل بناء المشروع الريادي، بدءاً من تحديد المشكلة والفئة المستهدفة ودراسة السوق، وصولاً إلى وضع تصور لنموذج العمل وآليات تطوير المنتج أو الخدمة، لافتين إلى أن الاحتكاك بالمدربين وأصحاب الخبرة وعرض الأفكار أمام المختصين ساعدهم على مراجعة أفكارهم وتعزيز ثقتهم بقدرتهم على تحويلها إلى مشاريع عملية.
ويرى الرواضية أن الاستثمار في الطلبة وأفكارهم يمثل أحد أهم محاور عمل المركز، في ظل ما يمتلكه طلبة الجامعة من طاقات وقدرات يمكن توظيفها في ابتكار حلول جديدة، مؤكداً أن دور المركز يتمثل في توفير البيئة المناسبة لنمو هذه الطاقات وتطورها.
وتقول مديرة الشؤون الإدارية والمالية في المديرية الدكتورة اعتماد جميل الجعافرة، إن الابتكار أصبح توجهاً استراتيجياً يلامس جوهر العملية التعليمية، ويسهم في إعداد جيل يمتلك أدوات المستقبل وقادراً على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والفكرة إلى مشروع، والتحدي إلى فرصة.
وتشير إلى أن المديرية تعمل على إيجاد بيئات تعليمية حاضنة للإبداع، وتمكين الطلبة والمعلمين من المهارات الرقمية والتكنولوجية، وتعزيز التفكير الناقد وحل المشكلات والعمل بروح الفريق، بما ينسجم مع متطلبات التعليم الحديث والتحولات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويبرز «نادي الأردوينو والروبوت» نموذجاً في تجربة المديرية، إذ تأسس عام 2018، قبل أن تتوسع التجربة لتشمل 11 نادياً في مدارس اللواء، لتصبح هذه الأندية مساحات عملية يلتقي فيها العلم بالتطبيق والمعرفة بالابتكار، من خلال تدريب الطلبة والمعلمين وتنمية مهاراتهم في البرمجة والروبوت والتكنولوجيا.
وشاركت فرق المديرية في بطولة الكرك للابتكار والروبوت عام 2023، وبطولة الجنوب للابتكار والروبوت عام 2025، وصولاً إلى بطولة المملكة للابتكار والروبوت العام الحالي في البتراء، حيث توج هذا الحضور بالتكريم أمام الخزنة، في صورة تعكس مسيرة من التدريب والاستثمار في طاقات الطلبة.
كما عززت المديرية شراكاتها مع المؤسسات الوطنية الداعمة للشباب والابتكار، وفي مقدمتها مؤسسة ولي العهد/ مكتب الكرك، من خلال تنفيذ دورات تدريبية للطلبة والمعلمين، بما يوسع دائرة المعرفة الرقمية ويتيح فرصاً نوعية لاكتشاف قدرات الطلبة وصقل مواهبهم.
وتلفت الجعافرة إلى أن رؤية المديرية للريادة والإبداع تتجاوز الروبوت والتكنولوجيا لتشمل مبادرات مختلفة، من بينها «مبادرة الابتكار وتتبع الخط» على مستوى المملكة، بهدف تنمية التفكير الإبداعي وتعزيز قدرة الطلبة على الابتكار وصناعة الحلول.
كما تشير إلى «مبادرة المهارات الرقمية» لطلبة الصفوف الأساسية من الأول وحتى السادس، باعتبارها استثماراً مبكراً في بناء الشخصية الرقمية للطالب وترسيخ مهارات التعامل الواعي والفاعل مع التكنولوجيا.
وفي إطار الاستجابة للتحديات التعليمية، تعمل المديرية على تنفيذ مبادرات ضمن الشبكات التعليمية لمعالجة الفاقد المعرفي في مادة الرياضيات، إلى جانب تنظيم دورات وورشات عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بما يفتح أمام المعلمين والطلبة آفاقاً جديدة لتوظيف التقنيات الحديثة في التعليم وإنتاج المعرفة وحل المشكلات.
وتظهر تجربتا جامعة مؤتة وتربية المزار الجنوبي أن بناء ثقافة الريادة يبدأ من توفير البيئة التي تمنح الفكرة فرصة للظهور والنمو، ومنح الطلبة مساحة للتجربة والتعلم والتطوير، وربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل.