فالمشهد بمعادلاته الإقليمية والدولية المتوترة والمركبة يمثل حالة معقدة تختبر الحكمة والدراية، حيث يُعد الدور الأردني نموذجاً دبلوماسياً للعديد من دول العالم في إدارة الأزمات باحترافية عالية، ذلك أن السياسة الخارجية الأردنية تسعى دائماً إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها.
كما أن الأردن يعمد دائماً إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، الأمر الذي يمنحه قدرة على لعب دور الوسيط المرحب به والمقبول في العديد من الملفات الدبلوماسية الإقليمية، إضافة إلى ذلك، فالتحركات الدبلوماسية الأردنية غالباً ما تكون متعددة المسارات، تتضمن إجراء الاتصالات الثنائية، والمشاركة الواسعة في المحافل الدولية والإقليمية، إلى جانب بناء تنسيق أمني وسياسي مؤثر، ما يعزز فرص تحقيق المطلوب، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد الحلول المرضية في الأزمات الإقليمية أو حتى الدولية، ونجاحه في دور الوسيط.
نعم، لقد نجح الأردن في إدارة أزمات كثيرة في أوقات صعبة، عبر تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن الوطني والانخراط السياسي، وهو ما يمثل أيضاً نهجاً أردنياً أساسه حماية المصالح الوطنية أولاً، مع الانفتاح على الحلول الدبلوماسية التي تقلل من كلفة الصراعات على المنطقة، حيث يمثل هذا النهج انعكاساً لطريقة تعامل المملكة مع أزمات المنطقة، سواء في الملف الفلسطيني أو التوترات الإقليمية الحالية، إذ حافظ الأردن على موقف ثابت ملتزم بمبادئه في الدعوة إلى التهدئة والحلول السياسية، مع رفضه القاطع لأي تهديد لأمنه أو سيادته أو أمن الدول العربية الشقيقة.
ومما لا شك فيه أن الرصيد السياسي العتيد للدبلوماسية قد مكّن الأردن من لعب أدوار مؤثرة في مسارات تخفيف التوترات والمساهمة في صياغة مواقف جماعية داعمة، خصوصاً في دعم القضايا العربية، ولعل أحد أبرز عناصر القوة الدبلوماسية الأردنية هو المصداقية الدولية التي بنتها عبر سنوات طويلة، فالأردن يُنظر إليه كشريك موثوق يمتلك خطاباً معتدلاً ومواقف واضحة، وهو ما يعزز من دوره الدبلوماسي المؤثر.
فنجاح الأردن في إدارة الأزمات يعود إلى قدرته على قراءة المتغيرات الدولية والإقليمية بدقة، فالتغير في موازين القوى وبناء التحالفات يتطلبان مرونة سياسية عالية، وهو ما أدركته الدبلوماسية الأردنية مبكراً، وانعكس ذلك في الخطاب الدبلوماسي الأردني الذي جمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في التكتيك.
* أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية