ففي عام 2025، كانت فلسطين محور الحديث الملكي، حيث اختار جلالته عبارة "إلى متى" مدخلا متكررا لمخاطبة العالم؛ إلى متى يستمر الصراع، وإلى متى تبقى الإدانات الدولية دون قرارات ملموسة، وإلى متى يدفع الفلسطينيون ثمن غياب الحل السياسي. وقد حمل حديث جلالته دعوة عاجلة لإنهاء مأساة إنسانية طال أمدها، مع تركيز واضح على غزة وما تشهده من قتل ودمار وتجويع، وعلى الضفة الغربية والاستيطان والقدس، وصولا إلى التأكيد مجددا على حل الدولتين ومبادرة السلام العربية.
أما في عام 2026، فقد تغير السؤال الملكي حول القضية ذاتها، فلم يعد التركيز منصبا فقط على الصراع القائم وما يعانيه الشعب الفلسطيني من ويلات، وإنما اتسع ليشمل أسباب عدم تحرك المجتمع الدولي رغم معرفته بحقيقة ما يجري وامتلاكه الأدوات اللازمة للتعامل معه. وهنا انتقل الحديث الملكي من غياب الفعل الدولي إلى مساءلة أسباب هذا التقاعس، وصولا إلى الفكرة الأكثر حدة بأن عدم التحرك، في ظل وجود الخيارات، يصبح في ذاته خيارا.
ويظهر هذا التطور بوضوح في التعامل مع القانون الدولي. ففي عام 2025، كان التركيز منصبا على الانتهاكات الإسرائيلية وعدم قانونية الاحتلال والاستيطان والدعوة إلى احترام القانون الدولي، في حين اتجه الحديث الملكي عام 2026 إلى التساؤل عن قيمة هذا القانون في ظل استمرار تجاهله وعدم إنفاذه، والدعوة إلى استخدام أدوات سبق للمجتمع الدولي اللجوء إليها في أزمات أخرى، كالعقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي.
ويمتد هذا الاختلاف إلى النظرة الملكية لما يجري في غزة والضفة الغربية. ففي الوقت الذي احتلت فيه غزة مساحة بارزة من الحديث الملكي عام 2025، ربط حديث جلالته عام 2026 بصورة أوضح بين ما يجري في غزة والضفة الغربية، ورفض التعامل معهما باعتبارهما قصتين منفصلتين، بل قدمهما بوصفهما وجهين لاستراتيجية واحدة؛ عبر التدمير في غزة والضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية، بما يقود في الحالتين إلى جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرا مستحيلا.
ويبرز اختلاف آخر في تناول البعد الديني للصراع. ففي عام 2025، حذر جلالة الملك من أن الخطابات العدائية التي تستهدف المسجد الأقصى قد تشعل حربا دينية تتجاوز حدود المنطقة. أما في عام 2026، فقد واجه بصورة مباشرة محاولات تصوير الصراع على أنه حرب أديان، مؤكدا أنه ليس صراعا بين الإسلام من جهة واليهودية والمسيحية من جهة أخرى، وإنما يتعلق بحقوق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، ومساواتهم في الحقوق مع غيرهم.
كما كان حضور الأردن في الحديث الملكي عام 2026 أكثر اتساعا، إذ انتقل من إبراز دوره في حماية المقدسات وتقديم المساعدات الإنسانية عام 2025، إلى التأكيد الصريح أن أي تهديد لحدوده الشمالية أو أمنه المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، إلى جانب حماية الوجود المسيحي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام، والاستمرار في دعم الصمود الفلسطيني والأونروا والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وفي المحصلة، تكشف المقارنة بين عامي 2025 و2026 عن تغير واضح في لغة الرسالة الملكية، من التحذير من استمرار الأزمة إلى مواجهة أسباب استمرارها. وهو تطور يحذر من تحول الانتهاكات، مع غياب المساءلة، إلى واقع دائم، ومن فقدان القانون الدولي فاعليته بسبب الانتقائية في تطبيقه. ومن هنا، تجاوزت الرسالة الملكية هذا العام القضية الفلسطينية إلى مستقبل نظام دولي تتوقف صدقيته على احترام المبادئ والقواعد التي قام عليها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية