وفي هذا السياق تبرز أهمية مقال الدكتور ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، المنشور في صحيفة «يديعوت أحرونوت» بعنوان «الفيل الفلسطيني الذي في الغرفة»، والذي يكشف التناقض بين إدراك خطورة القضية الفلسطينية وتجنب مواجهتها في النقاش السياسي الإسرائيلي، حيث تحل الأفكار المتطرفة واللامبالاة والأوهام والشعارات محل التفكير الاستراتيجي في مستقبل الصراع.
وتكشف مواقف الأحزاب الإسرائيلية عشية الانتخابات عن اتساع التأييد للاستيطان في الضفة الغربية، ورفض قيام دولة فلسطينية، مقابل تبني شعار «تدمير حماس» دون إجابات واضحة عن آليات تحقيقه وعن البديل السياسي والأمني في قطاع غزة، كما يحظى مشروع إقامة دولة واحدة تحت السيادة الإسرائيلية، الذي يدفع به بتسلئيل سموتريتش، بقبول لدى تيارات مؤثرة، رغم ما يطرحه من أسئلة جوهرية حول مصير ملايين الفلسطينيين وحقوقهم السياسية والقانونية.
وتزداد خطورة هذه التوجهات مع تجنب صناع القرار وقطاعات من المعارضة مناقشة مستقبل الأراضي الفلسطينية، وتعرض الداعون للتفاوض وقيام الدولة الفلسطينية إلى اتهامات بالتشاؤم والسذاجة والخيانة، فيما تتسع مساحة طرح مشاريع التهجير الذي يوصف بأنه «طوعي»، وتعكس هذه المواقف تحولا في الخطاب السياسي نحو التطرف مما يضعف فرص التسوية، ويفتح الباب أمام صراع طويل حول الأرض والهوية والحقوق والسيادة.
وترتبط هذه التحولات بتنامي نفوذ التيارات الدينية والقومية المتطرفة، التي تمنح السيطرة على الأرض أولوية على الاعتبارات السياسية والإنسانية، وتبرر الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل وعلى المعارضين لهذه المشاريع داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتتجلى خطورة هذا النهج في التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الاستيطانية وتصاعد العنف، بما يعمق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي ويضعف فرص مراجعة السياسات القائمة.
وتقدم الاعتداءات خلال موسم قطف الزيتون، والهجوم على مصور صحيفة «واشنطن بوست» ووفود دبلوماسية أوروبية قرب رام الله، مؤشرات على اتساع تداعيات هذه التوجهات وانعكاسها عبر الجرائم التي يتم ارتكابها بشكل مستمر ضد الفلسطينيين وكل من يتعاطف معهم، بيد أن استهداف الفلسطينيين والصحفيين والوفود الدبلوماسية يثير تساؤلات حول حماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات، ويعزز الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتتصل هذه المخاطر مباشرة بأمن المنطقة، خصوصا مع تصاعد الدعوات إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية وطرح مشاريع تهجير الفلسطينيين وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وتشكل هذه السياسات تهديدا لفرص قيام الدولة الفلسطينية، وتزيد احتمالات التصعيد، وتضع الدول المجاورة أمام تحديات أمنية وسياسية وإنسانية متفاقمة.
ويعتبر الأردن في مقدمة الدول المعنية بهذه التطورات، بحكم ارتباط أمنه الوطني باستقرار الضفة الغربية والقدس، ورفضه التهجير والوطن البديل، وتمسكه سبيلا وحيدا لتحقيق الاستقرار المنطقة عبر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لا سيما وأن فرض الوقائع بالقوة أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب حقوق شعبها سيمس المصالح الوطنية الأردنية ويهدد استقرار المنطقة.
وتكمن المعضلة الاستراتيجية في التفكير الإسرائيلي في الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على توفير أمن مستدام مع استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، لكن في الواقع يغيب عن ذهن من يتبنى هذه الأفكار -وهم كثر في دولة الاحتلال- بأن سياسات الاستيطان والضم والتهجير تعمق أسباب الصراع، وتزيد عزلة إسرائيل الدولية، وتفاقم انقساماتها الداخلية، فيما تجعل التسوية المستقبلية أكثر تعقيدا وكلفة.
في المحصلة، إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب عودة مراكز صناعة القرار داخل دولة الاحتلال إلى الرشد والواقعية السياسية ونبذ كل مظاهر التطرف بدل دعمها وتقويتها، عبر وقف الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني في مختلف مناطقه، ووقف الاستيطان، ومنع التهجير القسري، واحترام القانون الدولي، وإعادة الاعتبار إلى المسار السياسي القائم على إنهاء الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة باعتباره المسار الوحيد المفضي إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، لا سيما وأن استقرار المنطقة يرتبط بمعالجة جذور الصراع، فيما يقود استمرار التطرف وفرض الأمر الواقع إلى توسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها على شعوب المنطقة ودولها.