لقد وضع جلالة الملك القانون الدولي في صلب خطابه عندما تساءل عن كيفية إنفاذه إذا غابت الإرادة الدولية لتسمية الانتهاكات بمسمياتها الحقيقية. فالمشكلة التي يواجهها النظام الدولي اليوم، كما عبّر عنها جلالة الملك، ليست في غياب القواعد القانونية التي تحكم الاحتلال والنزاعات المسلحة وتحمي المدنيين، وإنما في مدى الالتزام بتطبيقها وإنفاذها على الجميع دون استثناء.
وفي هذا السياق، كان حرص جلالة الملك لافتا على إعطاء الممارسات الإسرائيلية أوصافها الدقيقة، رافضا استخدام مصطلحات من شأنها التخفيف من طبيعتها؛ فهدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس إنفاذا للقانون، والاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس تسجيلا لها، بل ضما فعليا، والحواجز التي تعطل حياة الفلسطينيين ليست مجرد إجراءات أمنية، وإجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم تهجير قسري يشكل جريمة حرب.
وتكمن أهمية هذا الطرح الملكي في أن التوصيف القانوني للانتهاكات الإسرائيلية هو نقطة البداية في تحديد المسؤولية المترتبة عليها. فالحديث عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي ينقل النقاش من مجرد إدانة سياسية لسلوك حكومة الاحتلال إلى البحث في المسؤولية القانونية والمساءلة عن الأفعال المرتكبة، خاصة مع استمرار الاعتداءات على المدنيين واتساع النشاط الاستيطاني.
ولا يقف الخطاب عند حدود التوصيف والمساءلة، بل ينتقل إلى موضوع إنفاذ القانون الدولي. فلم يكتف جلالته بالمطالبة بوقف الانتهاكات أو إصدار المزيد من القرارات الدولية، وإنما سمى أدوات عملية سبق للمجتمع الدولي استخدامها في حالات أخرى، وفي مقدمتها العقوبات، وتجميد الأصول، والحظر، والعزل الدبلوماسي.
ويحمل هذا الطرح دلالة قانونية مهمة؛ فهو يدعو المجتمع الدولي إلى استخدام آليات المساءلة القائمة بالفعل، والتي جرى اللجوء إليها بحق دول أخرى بسبب انتهاك قواعد القانون الدولي، طارحا سؤالا حول عدم استخدامها عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية. فجاءت عبارته الأبرز بأن القرارات الدولية المتعلقة بإسرائيل تبقى "حبرا على ورق"، لتؤكد أن المشكلة لم تعد في غياب القرارات الدولية ذات الصلة، وإنما في الفجوة بين إصدارها وإنفاذها.
ويبرز في هذا الإطار أحد أعمق الأبعاد القانونية في الخطاب، وهو مبدأ المساواة في تطبيق القانون الدولي. فمصداقية القانون الدولي لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات والقرارات الصادرة باسمه، وإنما بمدى خضوع الدول جميعها لقواعده وآليات إنفاذه. أما الانتقائية في تطبيق هذا القانون، بحيث تستخدم أدوات العقاب والمحاسبة في حالة وتتوقف في أخرى، فإنها لا تضعف القرار الدولي وحده، بل تقوض الثقة بالقانون وبالمؤسسات الدولية.
ويمتد هذا المنطق إلى مسؤولية المجتمع الدولي ذاته التي نقلها جلالة الملك من دائرة العجز إلى دائرة الاختيار، مؤكدا أن الأدوات موجودة، والقواعد القانونية قائمة، والوقائع معروفة؛ وبالتالي فإن استمرار عدم التحرك لا يمكن تفسيره بعدم القدرة، وإنما بغياب الإرادة السياسية لاستخدام الأدوات القانونية المتاحة. كما أن غياب المساءلة لا يعطل إنفاذ القانون فحسب، بل يفقده وظيفته في الردع ويكرس الإفلات من العقاب، وصولا إلى ما وصفه جلالته بـ"دولة بلا رادع".
وفي المحصلة، قدم خطاب جلالة الملك قراءة تجاوزت الدفاع عن الحقوق الفلسطينية إلى التحذير من أزمة أعمق تتعلق بالازدواجية في تطبيق القانون الدولي. فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، وإنما في أن يصبح القانون الذي أقرته دول العالم قابلا للتطبيق على بعضهم دون الآخر، وأن تتحول قرارات الأمم المتحدة إلى حبر على ورق. فالرسالة الملكية من نيويورك واضحة؛ أن العالم يعرف ما يحدث في فلسطين ويمتلك الأدوات اللازمة للتحرك، لكن الانتقائية في استخدامها تهدد الثقة بالقانون الدولي وبقدرته على حماية الجميع دون استثناء.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية