رفض "إدارة الصراع" وفضح وهم "الاحتواء"... الحل الآن

الخطاب التاريخي للملك: "تسمية الأشياء بمسمياتها" وتفكيك اللغة الإسرائيلية المضللة

تاريخ النشر : الجمعة 09:18 25-9-2026
محمد ابو خضير

في وقت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة جماعية، والضفة الغربية لتحول جذري يهدف إلى التهجير القسري، والقدس لتهويد ممنهج، يقف الملك عبدالله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة ليقول ما تجنّبته كثير من العواصم: "يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية".

هذا الخطاب وثيقة سياسية وقانونية تعيد تأطير الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعيداً عن اللغة المطاطة، إنه خطاب يرتقي إلى مستوى الشهادة التاريخية في لحظة فارقة.

افتتح الملك خطابه بإطار نظري بالغ الذكاء: الانتباه ليس مجرد مورد معرفي، بل هو مورد جيوسياسي. استشهد بتراجع مدة انتباه الفرد من دقيقتين ونصف إلى 47 ثانية، ليصل إلى جوهر الأزمة. الإطار النظري ليس تجريداً أكاديمياً، بل هو تشخيص لآلية عمل النظام الدولي: إسرائيل تدرك قوة الانتباه، ولذلك تسعى إلى تشتيت الانتباه عبر الطعن في مصداقية منتقديها، وتصوير الصراع كحرب أديان. الملك كشف هذه الآلية وعرّاها.

رفض "إدارة الصراع" وفضح وهم "الاحتواء"

الملك وضع يده على جوهر الفشل الدولي: "لطالما وقفت أمام هذه الجمعية العامة وحذرت من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع، بدلاً من التصدي لحله". هذه الجملة تلخص عقوداً من السياسة الدولية التي تعاملت مع الانتهاكات الإسرائيلية كـ"أمور مؤقتة"، حتى أصبح "المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً".

رفض فصل غزة عن الضفة

الملك رفض الوهم القائل بأن غزة والضفة قصتان منفصلتان: "إنهما في الواقع وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية: على كلتا الجبهتين يتم قتل الفلسطينيين... والهدف واحد: جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمراً مستحيلاً".

هذا الربط الاستراتيجي حاسم، لأنه ينسف المحاولات الإسرائيلية للتعامل مع كل جبهة بشكل منفصل، ويضع الصراع في سياقه الحقيقي: مشروع واحد لتصفية القضية الفلسطينية.

التحذير من الأطماع التوسعية الإقليمية

الملك لم يقتصر على فلسطين، بل حذر من أن "الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً"، مشيراً إلى سوريا ولبنان ومصادر المياه الحيوية. وأعلن بصراحة:

"أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا". هذا الموقف يعكس استعداداً أردنياً للدفاع عن المصالح الوطنية، وليس مجرد دعم دبلوماسي.

تفكيك اللغة الإسرائيلية المضللة

أخطر ما في الخطاب ليس ما قاله الملك عن الأرقام أو الوقائع، بل كيف قاله. فجوهر الخطاب يتمثل في تفكيك المنظومة اللغوية المضللة التي تستخدمها إسرائيل لتغطية جرائمها، وإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. فما تسميه إسرائيل "تنفيذ القانون" عند هدم منازل الفلسطينيين، سمّاه الملك ترحيلاً قسرياً. وما تصفه إسرائيل بـ"تسجيل الأراضي" عند الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، كشفه الملك بوصفه ضمّاً فعلياً.

أما ما تقدمه إسرائيل على أنه بنية تحتية "أمنية" من نقاط تفتيش وحواجز خانقة، فقد عرّاه الملك بوصفه منظومة قمعية ممنهجة. وحين تتحدث إسرائيل عن "شغب مستوطنين" لتصوير الهجمات على القرى الفلسطينية وكأنها أعمال فردية معزولة، صحّح الملك هذا الوصف مؤكداً أنها هجمات ممنهجة على تجمعات سكنية تشارك فيها قوات الاحتلال أو تغض الطرف عنها.

هذا التفكيك اللغوي ليس ترفاً بلاغياً ولا مناورة خطابية، بل هو عمل قانوني وسياسي بامتياز. فالقانون الدولي يقوم على التوصيف الدقيق: عندما تسمي الجريمة باسمها الحقيقي — ترحيلاً قسرياً، ضمّاً، جريمة حرب — تصبح المساءلة ممكنة، وتصبح المحاسبة واجبة. أما عندما تُترك الجرائم تحت غطاء المصطلحات المضللة، فإنها تتحول تدريجياً إلى "أمور مألوفة"، ويصبح غير المقبول مقبولاً بحكم الأمر الواقع. وهنا تكمن خطورة الخطاب: إنه ينزع عن إسرائيل غطاءها اللغوي، ويعيد إلى القانون الدولي قدرته على التطبيق.

بهذا المعنى، أصبح خطاب الملك وثيقة اتهام قانونية بصياغة دبلوماسية. لقد وضع العالم أمام مسؤوليته: إما أن يتبنى هذه المسميات الحقيقية ويتحرك، أو أن يتحمل تبعات استمراره في استخدام لغة مضللة تحمي الجاني وتدفن الضحية.

فضح دور الجيش الإسرائيلي.. من "متفرج" إلى "شريك"

الملك كشف زيف الرواية الإسرائيلية عن "حفنة من مثيري الشغب":"غالباً ما يقف الجنود الإسرائيليون متفرجين بينما يتعرض الفلسطينيون لاعتداءات المستوطنين، وغالباً ما يقومون بحماية المعتدين أو ينضمون إليهم. كما يمنعون سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، ويستهدفون صحفيين دوليين".

ثم طرح السؤال المهم: "هل هذا فعلاً سلوك دولة ديمقراطية يحكمها القانون؟"

ووصف ما يجري في غزة: "محاولة لمحو الوجود الفلسطيني"

الملك لم يتردد في وصف ما يجري في غزة بأنه:"محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة".

واستشهد بأرقام مروعة: استشهاد 300 طفل فلسطيني في أول 300 يوم مما سُمي بوقف إطلاق النار، واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، ورفض الانسحاب، وحصر الفلسطينيين في "ما لا يكاد يصل إلى ثلث مساحة غزة".

توصيف سياسة الضفة: "تهجير قسري وجريمة حرب"

أخطر ما في الخطاب وصفه المنهجية لدى الاحتلال: "ما يحدث حالياً في أنحاء الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل مجموعة من الممارسات المترابطة التي تشكل جزءاً من سياسة واحدة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه. وهناك مصطلح واضح لوصف هذه السياسة: التهجير القسري، وهو جريمة حرب".

هذا ليس وصفاً دبلوماسياً، بل هو توصيف قانوني دقيق يفتح الباب أمام المساءلة الدولية.

أهمية الخطاب في هذه المرحلة الحرجة

1. في مواجهة الدعم الأمريكي والأوروبي غير المحدود

الخطاب يأتي في وقت تواصل فيه إدارة الرئيس ترامب دعمها المطلق لإسرائيل، بينما تكتفي أوروبا بالبيانات الفضفاضة شجباً واستنكاراً وقلقاً. الملك وجّه رسالة ضمنية لهم:"التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجاً عن قلة في الخيارات. دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: هذا التقاعس هو خيار". ثم ذكّرهم بالأدوات المتاحة: العقوبات، تجميد الأصول، فرض الحظر، العزل الدبلوماسي — وكلها أدوات استُخدمت في قضايا أخرى، لكنها تبقى "حبراً على ورق" عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

فضح "الإفلات من العقاب" الإسرائيلي

"شعور هذه الحكومة بقدرتها على الإفلات من العقاب وصل إلى مراحل مرعبة، فهي لم تعد ترى نفسها مضطرة حتى إلى التساؤل 'هل يمكننا الإفلات بهذا؟' لأنها تعرف الإجابة مسبقاً".

هذا الوصف الدقيق يكشف جوهر المشكلة: ليست مجرد انتهاكات، بل ثقافة إفلات من العقاب تغذيها الحماية الغربية.

3. القدس: الوصاية الهاشمية كخط دفاع أخير

الملك جدد التزام الأردن بـ:"حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس". في وقت تتعرض فيه القدس لتهويد ممنهج واقتحامات متكررة للمسجد الأقصى المبارك، يبقى الأردن خط الدفاع الأخير عن المقدسات، وهذا الخطاب يذكّر العالم بهذه المسؤولية.

4. دعم الصمود الفلسطيني و"الأونروا"

الملك أكد: "سنستمر في دعم الصمود الفلسطيني. وسنستمر في دعم الأونروا".

هذا الموقف حاسم في وقت تواجه فيه الأونروا حملة تصفية بقيادة إسرائيلية، تهدف إلى إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

ما بعد الخطاب

نحو مساءلة حقيقية، الخطاب لم يكتفِ بالتشخيص، بل طرح سؤالاً مصيرياً:"ويبقى السؤال الآن: هل سنتحرك؟" وأجاب الملك مسبقاً: "لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم... المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً".

خطاب يضع العالم أمام مسؤولياته

ما يميز خطاب الملك عبدالله الثاني هو أنه لا يترك مجالاً للمناورة. إنه يسمي الأشياء بمسمياتها، ويفكك اللغة المضللة، ويضع النقاط على الحروف القانونية.. الحل الآن، في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأخطر حملة تصفية منذ النكبة ٤٨...

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }