لم تكن إشارة الملك عبدالله الثاني، في خطابه أمام الأمم المتحدة، إلى الجنوب السوري وأمن الأردن وحدوده الشمالية مجرد تفصيل في خطاب مهم تناول أزمات المنطقة والعالم، بل كانت رسالة سياسية وأمنية واضحة، تؤكد أن للأردن خطوطا لا يمكن تجاوزها، فما المقصود من هذه الإشارة، ولماذا جاءت في هذا التوقيت تحديدا؟
فالملك، وفي خضم حديثه عن فلسطين وغزة والضفة الغربية، وعن أزمات السودان واليمن ولبنان، توقف عند سوريا ليضع التطورات على الجبهة الشمالية في سياقها الحقيقي بالنسبة للأردن، مشيرا إلى التوغلات المتكررة، والتوسع الجغرافي، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وما يرتبط بذلك من مصادر مائية حيوية؛ وهي ملفات لا ينظر إليها الأردن باعتبارها أحداثا بعيدة عنه أو منفصلة عن أمنه الوطني.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الرسالة الملكية؛ فالأردن لا ينظر إلى حدوده الشمالية باعتبارها مجرد خطوط جغرافية، ولا إلى المياه باعتبارها ملفا فنيا منفصلا عن الأمن الوطني، فما يجري خلف الحدود يمكن، في لحظة ما، أن يتحول إلى تأثير مباشر في أمن الدولة واستقرارها ومصالح مواطنيها، ولهذا جاءت الرسالة الملكية واضحة وحاسمة، فأي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني.
وبالتأكيد، فإن هذه الرسالة لا تعكس رغبة في التصعيد بقدر ما تعكس وضوحا في تحديد الثوابت الأردنية، فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي، يدرك أن أزمات المنطقة لا تبقى محصورة داخل حدود الدول، وأن الوقائع التي تبدأ صغيرة قد تتسع مع الوقت وتتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها، ومن هنا يمكن فهم تأكيد الملك أن الأردن "لن يشيح بنظره"، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
وفي المقابل، لا يضع الأردن أمنه في مواجهة مبدأ الاستقرار الإقليمي، بل يرى أن حماية الأمن تبدأ بمنع الأزمات من التحول إلى وقائع دائمة، فالدبلوماسية تظل خيارا أساسيا للاردن، غير ان الدبلوماسية لا تعني التغاضي عن المخاطر، وضبط النفس لا يعني السماح بتجاوز المصالح الوطنية.
خلاصة القول، إن الرسالة الملكية تجاه الشمال جاءت حاسمة، وتقول بوضوح إن الأردن يراقب ويدرك، ولن ينتظر حتى تتحول الوقائع إلى مخاطر حقيقية، وتؤكد أن الدبلوماسية الأردنية لا تعني التهاون، وضبط النفس لا يعني الصمت، وعندما يتعلق الأمر بأمن الأردن وحدوده ومياهه، فإن الرسالة واضحة وتقول، احذروا حلم الحليم إذا غضب.