إدارة الاختلاف في الأردن

تاريخ النشر : الاثنين 11:36 21-9-2026
أ. د. ليث كمال نصراوين

يشهد المجتمع الأردني بين الحين والآخر أحداثا وقضايا عامة تثير نقاشا واسعا وتتباين حولها آراء الأردنيين بين مؤيد ومعارض، سواء تعلقت بقرارات إدارية وخدماتية أو بفعاليات فنية وثقافية واجتماعية. وسرعان ما تجد هذه الآراء المتباينة طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت الساحة الأوسع للتعبير عن المواقف وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا العامة.

إن الاختلاف في الرأي في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية، بل هو نتيجة طبيعية لتعدد الأفكار والقناعات والخلفيات الاجتماعية والثقافية، ومظهر من مظاهر حيوية المجتمع واهتمام أفراده بمجريات الشأن العام. إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود الاختلاف، وإنما في الطريقة التي تتم بها إدارته والتعامل معه، ومدى القدرة على تحويله من حالة استقطاب وانقسام إلى أداة للحوار والمشاركة الشعبية.

فالمتابع للنقاشات التي تدور عبر وسائل التواصل الاجتماعي يلاحظ صورتين متباينتين لإدارة الاختلاف؛ الأولى يتم فيها التعبير عن الرأي بصورة حضارية تقوم على تقديم الحجج والاستماع إلى الرأي الآخر ومناقشته واحترام حق صاحبه في التمسك به. أما الثانية، فتتحول فيها بعض النقاشات إلى حالة من الانفعال ورفض الرأي المخالف، وقد ينتقل الأمر من مناقشة الفكرة إلى مهاجمة صاحبها والتشكيك في دوافعه ومواقفه.

ويجد هذا الاختلاف في الرأي أساسه في الحماية الدستورية لحرية الرأي والتعبير، إذ كفلت المادة (15) من الدستور لكل أردني الحق في أن يُعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير ضمن حدود القانون. فهذا الحق لا يرتبط بطبيعة الموقف الذي يتبناه الفرد، ولا بما إذا كان مؤيدا لقرار حكومي أو نشاط عام أو معارضا له، وإنما يتعلق بضمان حقه في التعبير عن وجهة نظره تجاه القضايا والأحداث العامة. فجوهر حرية الرأي يظهر أساسا عند الاختلاف لا عند الاتفاق.

غير أن المسألة لا تقف عند حدود الاعتراف بحق الأفراد في التعبير عن آرائهم، بل تمتد إلى كيفية استفادة الدولة من هذا التباين في المواقف. فالنقاش الدائر حول القضايا العامة يعد مؤشرا مهما لقياس اتجاهات المجتمع، ويتيح لصانع القرار الوقوف على وجهات النظر المختلفة وفهم أسباب التأييد والاعتراض، بما يسهم في مراجعة السياسات وتطويرها.

ولا تقتصر أهمية هذا التباين على ما يوفره لصانع القرار من مؤشرات، بل تمتد إلى إمكانية تحويله إلى أداة لتفعيل المشاركة في الشؤون العامة. فالمواطن الذي يهتم بقضية معينة ويعبر عن موقفه منها إنما يظهر اهتماما بالشأن العام ورغبة في التأثير فيه من منظوره الشخصي، والتحدي يكمن في نقل هذا الاهتمام من مجرد نقاش على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مشاركة فعلية في الانتخابات النيابية والمحلية، وفي مؤسسات المجتمع المدني ومختلف صور العمل العام.

وفي هذا الإطار، يبرز بشكل خاص دور الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون إحدى الساحات الأساسية لتنظيم الاختلاف وتحويل الاتجاهات والآراء المتباينة إلى برامج ومواقف سياسية واضحة. فدور الحزب السياسي يجب ألا يقتصر على النشاط الاجتماعي في المواسم الانتخابية، وإنما يمتد إلى التفاعل مع القضايا التي تشغل المجتمع، وتبني المواقف بشأنها والدفاع عنها، والسعي إلى استقطاب المواطنين الذين تتقارب آراؤهم مع برامجه وتوجهاته، بما يعزز العمل الحزبي ويوسع قاعدة المشاركة في صنع القرار.

إن المجتمعات الديمقراطية لا تقوم على اتفاق الجميع في الرأي، ولا تقاس قوتها بغياب الخلافات فيها، وإنما بقدرتها على إدارتها في إطار من القانون والاحترام المتبادل. ومن هنا، فإن اختلاف الأردنيين حول القضايا العامة يمكن أن يكون مكسبا للدولة متى أحسنت إدارته، وتحول من سبب للانقسام إلى مدخل للحوار، ومن نقاشات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مشاركة سياسية ومجتمعية فاعلة تسهم في صنع القرار وتعزيز حضور المواطن في الشأن العام.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }