الرأي الثقافي

((عتبة)) هند أبو الشعر.. سيرة الذاكرة والتاريخ

تستعيدُ الكاتبة والمؤرخة هند أبو الشعر في روايتها الأولى «العتبة» أصداء التاريخ القريب، مقتحمة عتبته المنسية لتعيد بث الحياة في الأمكنة والأشخاص والأحداث، ومستعيدة كل نبض خفق بالحب والفخر والحزن.

في بيت العائلة الكبير المهجور، تبدأ رحلة السفر عبر الزمن لاستحضار الوجوه والضحكات والآلام، حيث رحل الجميع وبقي المكان مختزناً في زواياه وجدرانه ذكريات حياة كانت قائمة.

في هذا البيت المبني عام 1890م في بلدة الحصن أقام الجد الأول سليم مع عائلته. كان الكبيرَ الذي يحتضن الجميع بالحب والاهتمام من إخوة وأبناء ونساء، وهو يدير أملاك العائلة من أراضٍ وماشية ومحاصيل موزعاً المهام ومهتماً بالتجارة والسفر والعلاقات.

وتكتمل الصورة مع اهتمام الجد سليم بالتعليم والدراسة وحرصه على توفير ذلك لأبنائه وأخيه، لا سيما دراسة الحقوق، في زمن يعجّ بالأحداث والإخفاقات وهدر الحقوق.

يركز العمل على شخصيتين محوريتين حظيتا بالاهتمام والمكانة في مجتمعهما عبر مسيرة مهنية وكفاحية تركت بصمتها وإرثها. الأول هو الأخ عقيل، الشاب المتفتح على الحياة بالقراءة وحب الموسيقى، يرسله أخوه المفعم بالأبوة إلى مدينة القدس لدراسة الموسيقى واللاهوت، وهناك يعيش دهشته الأولى في مدينة عالمية مزدحمة بلغات عديدة وسواح روس وفرنسيين وعربات كثيرة إضافة إلى بشر من كل القارات كرجال الأكليروس اليونان والأرمن والطليان والأقباط والموارنة، إضافة إلى الحلبيين والجورجيين، والقنصليات والأسواق والفنادق. هناك زار كنيسة القيامة والمسجد الأقصى والقبة وانتشى بعالم جديد، ثم تأتي محطته الثانية في روما لمتابعة الدراسة. وفي روما تنفّس الفن والموسيقا والمتاحف وحصل على شهادته في الفلسفة واللاهوت والموسيقى، ثم قرر إنهاء حياته في عالم الكهنوت والعودة إلى يافا للتفرغ لعالم الصحافة ومراسلة الصحف الغربية بأكثر من لغة إيماناً منه بدور الكلمة في فضح هجرة اليهود ومساوئ الحكم العثماني. كما ألّف كتاب «العرب تحت النير التركي» ورواية «الفتاة الأرمنية في قصر يلديز».

أما الشخصية الثانية فهي للابن الحقوقي نجيب، وكان الجد الأول سليم يرغب في تدريس أبنائه ليكونوا محامين وكتّاب بمكانة عالية، هكذا كانت الوجهة إلى مدينة القدس أيضاً، حيث كان الطالب الأول القادم من شرق الأردن. وأنهى دراسته في المدرسة وفي المعهد الحقوقي ليتفرغ بعدها للعمل في مكتب بالقدس. وتأتي عودته إلى الحصن بعد وفاة زوجته وهربه من الذكريات لتسهم في مسيرة إنجازاته المتلاحقة، كما في فوزه في الانتخابات التشريعية ليكون العضو الأول للواء عجلون عن المقعد المسيحي في 1930م. وتلا ذلك تعيينه قنصلاً أردنياً في قنصلية القدس ومهامه الجديدة في فترة مضطربة، وأخيراً حصوله على مقعد في مجلس الأعيان وفرحة الأهل والعشيرة بهذه الثقة والمكانة.

ولأنّ الرواية تمتد عبر فترة زمنية طويلة من القرن الماضي، فإنها تحفل بالوقائع والأحداث والانعطافات. فهي تبدأ مع الحكم العثماني في سطوته وظلمه، ومداهمة القرى بحثاً عن المعارضين والفارين، ومشاركة السكان في أرزاقهم وانتاج أراضيهم، والتحكّم في حياتهم. وربما يمكن تلخيص هذه الفترة بعبارة موحية في الرواية تعبّر عن مواجهة الرعب بالحق في الحياة: كيف واجه عقيل القائد التركي: «كانت الكمنجة في يده، والكرباج في يد التركي». وعندما تنتهي هذه الحقبة يحلّ الانتداب البريطاني في المنطقة كمنعطف جديد، وسرعان ما يتم تأسيس الملك عبد الله الأول لإمارة شرقي الأردن. لكن الحدث الفارق يأتي مع حرب 1948 بانسحاب دولة الانتداب ودخول الجيش العربي إلى القدس. وكان الجيش الأردني قد قام بصدّ هجمات العصابات الصهيونية، واستبسلت الفرقة الرابعة بالدفاع عن القدس حتى سماها الملك عبد الله «الفرقة الرابحة». ومع تعرض القنصلية للقصف يضطر القنصل لإغلاقها والعودة إلى عمان، ولكن هذه المرة مع شعور جديد بأنه لاجئ كأي فلسطيني آخر عاش هذه التجربة.

فتحت عمان أبوابها لاستقبال اللاجئين وأنشأت مخيمات مؤقتة لإيواء القادمين. ولم تكن تلك المرة الأولى. فقد سبق لعمان أن استقبلت هجرات الأرمن المتتالية الذين هُجّروا من ديارهم وعاشوا مأساة النزوح والسفر والجوع. وكذلك استقبلت هجرات الشركس الذين اختبروا أوضاعاً مشابهة. وسرعان ما اندمجت هذه المكونات في مجتمعاتها الجديدة.

إلى جانب هذه الوقائع تحفل الرواية بالأفكار والقيم. فقد فرضت الأحداث الفارقة سؤال الهوية والمرجعية، كما حدث بعد التخلص من الحكم العثماني، مما يدفع على التساؤل: هل يفرض الحكم المتسلط هويته أم يحفّز على استنهاض الهوية والانتماء؟ هكذا كان التيار العروبي يعبّر عن نفسه في الانتصار للحكومة العربية في دمشق وما تلا ذلك من أحداث. ولا يكتمل بناء الهوية دون الاهتمام بالتعليم، حيث يحرص الجد بوعي وتصميم على تعليم أبنائه وأخيه، كمسار يمهّد للعمل السياسي في العائلة كنواب في البرلمان وكتّاب وصحفيين ليسهموا في نهضة الوطن وخدمته وتحقيق مكانة اجتماعية لائقة.

تتوطن هذه الذكريات الممتدة في فضاءات مدن وبلدات جمعتها وحدة التاريخ والجغرافيا في بلاد الشام، تتصدرها مدينة القدس كمدينة العالم كما تسمى حيث جمعت على أرضها تنوعاً بشرياً كبيراً بلغاته وثقافاته، يعيشون مدنيّتها الفريدة ببنيتها الثقافية من مسارح وسينمات ومدارس وبنيتها الاقتصادية والسياسية من أسواق وفنادق وقنصليات، إضافة إلى بعدها الروحي واحتضانها للكنائس والمساجد والتعايش القائم عبر الزمن. وكذلك تبرز مدينة دمشق بوابة العلم ومقصد التعليم، مدينة التاريخ والمنشآت والأسواق التي تزخر بالحرف والمهن والبضائع، وتزدهر فيها التجارة والصناعة.

أما مدينة عمان الناشئة فقد نمت وازدهرت بتنوع سكانها، من القادمين من نابلس والقدس وبعض الشوام، إضافة إلى احتضانها لهجرات الأرمن والشركس، وتوطن الجميع كنسيج متماسك في الوطن الجديد. كما لا نغفل الحصن وعجلون كمدن العائلة الأولى.

في الجانب الفني كان رسم الشخصيات يقدم كتلة إنسانية نابضة بالحب والجد والوطنية، يتبدى ذلك في الارتباط العائلي والعاطفة الأصيلة التي تغلف الحياة. وفي الشأن العام يظهر الحماس الصادق في الدفاع عن الوطن في فلسطين والأردن، وتجلى ذلك في الصحافة والسياسية والعمل الحقوقي. كما تقدّم الحياة وجهها الواقعي بين السعادة والحزن، العطاء والفقد، الفرح والألم، وتطرح جدليتها. فحين يرحل الأحبة كالأب والأم والزوجة تحضر وجوه الغرباء الإنسانية من أرمن وشركس لترمّم الغياب وتزرع الألفة والمحبة وتعوض الاحتياج كشركاء حقيقيين، يحركهم النبل والدف الإنساني والامتنان.

هكذا تختزل «العتبة» (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2025) ذاكرة المكان والأشخاص، وتتحول إلى شاهد عايش حياة طويلة وغنية، وتلبست تلك الحجارة مسحة الأنسنة حين كانت تستقبل القادمين أو تودع بحزن الراحلين.

أرادت الكاتبة بروايتها هذه إعادة إحياء تاريخ العائلة وسرد سيرة أبطالها، وحفزها على ذلك زيارة البيت الكبير واستنطاق حجارته وزواياه لتروي قصص من عاشوا فيه، وتبثّ الحياة من جديد في زمن مضى وشخصيات رحلت، وتمنح المعنى والتقدير لسيرة تستحق أن تروى.

لم تكن «العتبة» في الرواية مسطحا حجريا، بل رواية فتحت باب الزمن على قرن مضى نجحت المؤلفة في تصويره حافلا ومثقلا وغنيا بقصص تأتي أهميتها بأنها من جعبة الذاكرة ووقائع توثيقية يسندها التاريخ.