الرأي الثقافي

كولاج المنفى والشتات

تُحجب الصورة عن فضائها في المؤتمر الدولي للقضية الفلسطينيَّة (ICQP) الذي أقامته الأمم المُتحدة في جنيف 1983م، فتتخذ الكتابة مسارًا آخرًا للبوح. على إثر تلك الواقعة، كتب المفكر الفلسطينيّ إدوارد سعيد بالتعاون مع المُصوِّر السويسري «جان مور» (Jean Mohr) حكايةً تبحث عن شكلها، لافتًا الأنظار إلى مسألة أعمق من مجرَّد إجراءٍ مُؤسسيّ، مفادها: من يمتلك حقَّ إظهار الفلسطيني؟ وكيف يُصاغ حضوره؟ وبناءً على ذلك وضع سعيد كتابه «بعد السَّماء الأخيرة: حيوات فلسطينيَّة» (After the Last Sky: Palestinian lives)، مُعيدًا ترتيب حضور الفلسطينيّ عبر تداخل النصّ والصورة.

هكذا، يتكون العمل بوصفه كولاجًا اشتغل على تفكيك عملية التَّمثيل (Representation) وإعادة تركيبها، يقول المؤلف: «القصد من هذا الكتاب هو الانخراط في هذه الصعوبة، وإنكار التَّمثيلات المُعتادة البسيطة وحتى المُؤذية للفلسطينيين، والاستعاضة عنها بشيء أكثر قدرة على الإحالة بالواقع المُعقّد لتجربتهم... أعتقد أنَّه ينبغي استخدام أشكال تعبيريَّة غير تقليديَّة وهجينة ومُتشظية لتمثيلنا. ما صمَّمته بوعيّ تام، إذًا، هو طريقة تعبير بديلة عن تلك التي نواجهها عادة في وسائل الإعلام» (ص27). وفقًا لما سبق، يتحول الكولاج عند سعيد إلى لغةٍ تستوعب المنفى، وتمنح الشتات هيئة قابلة للقراءة، استحضر خلاله أصداء مجموعة من النُّقاد والمفكرين والأدباء، من مثل: محمود درويش، وإميل حبيبي، وتوفيق زيّاد، وغسان كنفاني، ومعين بسيسو، وجبرا إبراهيم جبرا، ومارسيل بروست، ووليام بتلر ييتس، وجوزيف كونراد، وجوناثان سويفت، ونعوم تشومسكي، ورايموند وليامز... إلخ.

انتقد إدوارد سعيد في كتابه الأدبيَّات التي تناولت الفلسطينيّ انتقادًا حادًا؛ لما حملت من خطابٍ مشحون بالجدل والاتهام والشجب، جعلت منه خطابًا مشغولًا بالإدانة أكثر من محاولة فهم الواقع الفلسطيني. ضمن هذا الإطار، أعيد تشكيل الفلسطينيّ داخل تمثيلات اختزلت تجربته المُعقَّدة من صورة اللاجئ المنفي، إلى صورة الإرهابيّ بما حمل من تهديد ووعيد. وبذلك تحولت الهُوية إلى علامة جاهزة، يتحدد معناها سلفًا، وتُمحى منها تعدديَّة الحياة التي سعى سعيد إلى استعادتها.

وكشف الكتاب أيضًا في امتداد نقده لخطابات التَّمثيل عن مستوى أعمق اتَّصل ببنية السرد ذاتها، إذ غدت مسألة حظر التاريخ شرطًا مُؤسِّسًا لكيفية ظهوره. فالمسألة لم تقف عند تغييب السرديَّة الفلسطينية، إنَّما تجاوزت ذلك إلى إنتاج سرديَّات نادرة ومبتورة، تفتقر إلى الاستمراريَّة بما يخصّ قصص الأصول والبيت والأمة حتى لكأنَّها سريَّة ومحجوبة. وعندما يطفو هذا التاريخ إلى السطح، فإنَّه يأتي في هيئة شذرات مُتقطِّعة، ومُنزاحة عن الأشكال السرديَّة المألوفة، مُتخذًا صيغًا تهكميَّة أو هجائيَّة أو رمزيَّة، بما يجعله مُشفَّرًا ومُحمَّلًا بطبقات من الدلالة لا تنكشف بسهولة، خاصة أمام متلقٍ خارجيّ يفتقر إلى مفاتيح السياق. وعلى هذا النحو، يُتيح القمع غياب السرد أو التَّعبير عنه في هيئة مُلتوية، الأمر الذي جعل الهُوية الفلسطينية تتكون عبر تراكم شذريّ لا سرد مُتصل، يقول: «النَّمط المُميز لنا، إذًا، ليس سردًا، تحدث فيه المشاهد بشكل مُتسلسل، بل هو السرديات المُتكسرة، والتراكيب المُتشظية والشهادات التي نُظمت بوعيّ ذاتيّ، حيث يستمر الصوت السرديّ في التَّعثر بنفسه وبالتزاماته وبقيوده» (ص63).

وعن فصول الكتاب، استهلَّ إدوارد سعيد حديثه في (أحوال) بتأطير نظريّ يكشف من خلاله عن البنية الجدليَّة التي تحكم تشكُّل الهُوية الفلسطينية، حيث تقوم الثقافات على تمييز حادٍّ بين (الأنا) بوصفها أصلا مُقيمًا، وبين (الآخر) بوصفه غريبًا مُختلفًا. غير أنَّ هذه الثنائيَّة في السياق الفلسطينيّ، لا تظلُّ ثابتة، بل تنقلب على نحو جذريّ؛ إذ يُعاد تعريف الأصيل بصفته دخيلًا، ما يجعل الحالة الفلسطينيَّة حالة وجوديَّة مشروطة باغتراب مُزدوج: اغتراب عن المكان الجغرافيّ، واغتراب في تعريف الذات نفسها. وهذا جلُّ المأزق الفلسطينيّ؛ أي أن تجد مكانًا مُناسبًا في نظام لا يسمح بوجودك.

ولا يغيب الداخل الفلسطينيّ عن ذهن سعيد، إذ فكَّك المفهوم بوصفه بنية دلاليَّة تجمع بين الامتداد الجغرافيّ للمناطق الواقعة داخل إسرائيل والتَّحول القيمي لأهله من الفلسطينيين، حيث انتقلت مكانتهم من موقع الشكّ والاختلاف في نظر فلسطيني الشتات إلى موقع الامتياز؛ بوصفهم حاملي تجربة الوجود الفعليّ على الأرض، بصرف النظر عمَّا حملت هذه التَّجربة من خطر قيود الاحتلال الاسرائيلي. فإذا كان الخارج فضاءً للنفي والشتات والإخفاق، فإنَّ الداخل الفلسطيني عند سعيد لم يؤسس لوحدة مُتماسكة؛ إذ ظلَّ محكومًا بالسريَّة والانقسام، كما تجلَّى في تعدّد دلالات بعض المفاهيم المركزيَّة مثل مفهوم «العودة».

وفي سياق تفكيكه للمفهوم، نوَّه سعيد إلى الغياب الفادح للمرأة الفلسطينيَّة داخل البنية السرديَّة للتجربة الجماعيَّة، فهي كما ورد في اقتباسه لا تحضر إلَّا بوصفها «همزة وصل، أو أداة صلة، أو وسيلة عبور، أو مجرَّد حدث عابر» (ص105)، ويتعمَّق ذلك التَّوصيف من خلال تجربة والدته، التي تكشف خلال حادثة تمزيق جواز سفرها من قبل مسؤول بريطانيّ في مكتب تسجيل حكومة الانتداب -لتوفير مكان قانونيّ لمهاجر يهودي من أوروبا- عن لحظة مُكثَّفة يُعاد فيها تعريف المرأة من كينونة مُستقلة إلى أخرى تابعة ومُمثَّلة -زوجة وأمّ- أيّ بين هُويات مُوزَّعة لا أصيلة، داخل سياق استعماريّ واجتماعيّ مُتداخل.

إنَّ الألم الذي تحمله تلك الحكاية، واستمرارها في ذاكرة والدته لعقود، يشير إلى عنف ثنائي: عنف استعماريّ ينفي الهُوية القانونيَّة للمرأة الفلسطينيَّة، وعنف اجتماعيّ يُعيد تثبيت ذلك النَّفي داخل بنية أبويَّة تُعيد صياغة حضور المرأة داخل أطرٍ عاطفيَّة -أمهات، عذارى، شهيدات- تثقلها بدلالات رمزيَّة تحدُّ من إمكانيَّة الكلام. نلحظ أنَّ سؤال سعيد حول موقع المرأة بين كونها امرأة وكونها فلسطينيَّة لا يتطلَّب ترجيح أحد البعدين، إنَّما يكشف عن تداخلهما في إنتاج وضع تتضاعف فيه أشكال الإقصاء، وهو مصير جميع النساء الفلسطينيات والعربيات.

لم يختفِ الفلسطيني بعد النكبة، بل زاد حضوره بصورة لافتة داخل فضاءات مُتعددة عبر العمل والمعرفة، غير أنَّ هذا (الانبثاق) ظلَّ مُلتبسًا؛ إذ ترافق مع توتّر دائم بين الاعتراف بكفاءته والارتياب من حضوره. ويُدلل سعيد على ذلك في إشارته للفلاحين الفلسطينيين الذين مثَّلوا قوة مُهاجرة مسحوقة، اقتُلعت من بنيتها الزراعيَّة التقليديَّة، ودُفعت إلى اقتصاد يعتمد أكثر على المدن ويُعيد تشكيل علاقتها بالعمل والهُوية. وذلك يستدعى أفق كارل ماركس؛ حيث يغدو العمل موقعًا للاغتراب بقدر ما هو وسيلة للبقاء، الأمر الذي يفسر انشغال الفلسطيني بإعادة إنتاج شروط حياته على حساب توثيق تاريخه وثقافته الأصيلة. ومع ذلك، اكتسب العمل عند الفلسطيني دلالة مُضاعفة؛ إذ تبدَّل من نشاط اقتصاديّ إلى ممارسة صمود، وشكل أوليّ من المُقاومة اليوميَّة، يُحوَّل عبره الحضور إلى فعل مستمر رغم غياب الأفق السياسيّ.

كما عكس الانبثاق لحظة وعي جديدة أنتج فيها الفلسطينيون أنفسهم داخل بيئات مُغايرة، ومما دلَّ على ذلك تميّزهم كمعلمين وأطباء ومهندسين ورجال أعمال ومثقفين، ذاك النجاح ما هو إلَّا علامة على تماسك جمعيّ تشكّل من خلال العمل والمعرفة، حتى غدت سمعة الفلسطينيّ في الاجتهاد والحيلة أقرب إلى سرديَّة جمعيَّة تداولتها المجتمعات المُضيفة لهم في المنفى.