جاءتْ قصيدةُ «تفاح خديجة» التي كتبَها الشّاعرُ المرحوم عاطف الفرّاية عامَ ٢٠٠٩ في مجموعةِ «أنثى الفواكهِ الغامضة»، وقصيدةُ «يا خديجة» التي كتبَها عامَ ٢٠١٢ في المجموعةِ ذاتِها، ولدى قراءةِ القصيدتين نلاحظُ أنّهما تحملان رمزًا مركزيًّا واحدًا هو «خديجة»، وخديجةُ في القصيدتين ليستْ شخصيّةً عاديّةً، بلْ رمزًا شعريًّا واسعَ الدّلالةِ؛ فهي المرأةُ والوطنُ والذّاكرةُ والدّفءُ، بل رمزٌ للقصيدةِ نفسِها، فالقصيدةُ تعبّرُ عنْ حالةٍ من الاغترابِ الدّاخليِّ والانكسارِ الوجدانيِّ؛ إذْ تقفُ الذّاتُ الشّاعرةُ أمامَ سؤالٍ وجوديٍّ يتعلّقُ بالشّعرِ والذّاكرةِ والحبِّ والوطنِ حينَ بدأت الأشياءُ الجميلةُ التي كانتْ تمنحُه الحياةَ تتساقطُ، هذه الأشياءُ التي ذكرَها الشّاعرُ ولمْ يتركْها لاستنتاجِ المتلقّي: الأغاني، الأحبابُ، الوطنُ، وحتّى الذاتُ نفسُها.
ونبدأُ من العنوان -بوصفِه العتبةَ الأولى لولوجِ النّصِ- ودلالتِه في القصيدةِ الأولى: «تفاح خديجة». العنوانُ يحملُ رمزيّةً جميلةً وعميقةً؛ فالتّفاحُ رمزٌ للحياةِ والخصبِ والأنوثةِ والجمالِ، أمّا خديجةُ فليستْ اسمًا مجرّدًا، ولكنّها رمزٌ للحبيبةِ أو قلْ الملاذُ الرّوحيُّ، يغريني بهذا الاستنتاجِ قولُ الشّاعرِ: منْ أينَ لي بخديجةٍ أخرى تدثّرني/ بتفّاحاتِها منْ بردِ جوفي؟».
فخديجةُ هنا هي الملجأُ الذي يحميه منْ بردِ الحياةِ ووحدتِها، وكانَ من الطّبيعيِّ أنْ يكونَ الحزنُ الممزوجُ بالحنينِ والضّياعِ هو العاطفةَ التي تشيعُ في القصيدةِ، يتّضحُ ذلكَ في ألفاظٍ منْ مثلِ:
'تهاوتْ أغنياتي/ انتهى فيها جنوني/ ما تبقّى منْ حنيني/ بعثرتْها الرّيحُ».
وفي الصّورِ الشّعريّةِ والخيالِ نلاحظُ بوضوحٍ تشخيصًا للمعاني في مثلِ قولِه: «مالِ القصيدةِ لا تمدُّ إليَّ...'
فقدْ جعلَ القصيدةَ كائنًا حيًّا قادرًا على العطاءِ أو المنعِ، وهذا يعطي النّصَّ حياةً وحركةً،
كما تظهرُ الرّموزُ في مثلِ قولِه: «العصافيرُ التي رحلتْ...'
العصافيرُ هنا قدْ ترمزُ إلى الأحلامِ/ الفرحِ/ البراءةِ/ الأحبابِ، أمّا قولُه: «قمحي بعثرتْه الرّيحُ»، فالقمحُ رمزٌ للحياةِ والعطاءِ والاستقرارِ، والرّيحُ رمزٌ للفقدِ والفوضى.
وعلى ضوءِ ذلكَ كلِّه كانَ من الطّبيعيِّ أنْ تكونَ لغةُ القصيدةِ شفّافةً ورمزيّةً وموحيّةً، فقدْ اعتمدَ الشّاعرُ على الاستفهامِ في غيرِ ما موضعٍ في القصيدة: «هلْ أنا...؟/ منْ أينَ تأتيني...؟/ منْ أينَ لي...؟»، وهذا يعكسُ حيْرةً، بلْ قلقًا وجوديًّا.
في النّهايةِ يقولُ عاطف: «أمضي.... بدوني»!
وهذهِ تشكّلُ أقوى صورِ القصيدةِ، إذْ يبلغُ الاغترابُ ذروتَه؛ فهو لا يفقدُ الآخرين فقط، بلْ يشعرُ بأنّه فقدَ نفسَه أيضًا، وهنا يتحوّلُ الألمُ منْ فقدٍ خارجيٍّ إلى فقدٍ للذّاتِ.
في القصيدةِ الثّانيةِ «يا خديجة» تعبّرُ هذه القصيدةُ عن الحبِّ بوصفِه خلاصًا وجوديًّا؛ فخديجةُ هنا -كما في القصيدةِ الأولى- ليستْ مجرّدَ امرأةٍ، بلْ قوةً تمنحُ الحياةَ معناها.
وإذا كانت القصيدةُ الأولى مليئةً بالفقدِ فإنَّ هذه القصيدةَ تحملُ الاكتمالَ والاتّحادَ.
وكما توقفتُ عندَ العنوانِ في القصيدةِ الأولى، فسأتوقّفُ عندَ العنوانِ هنا أيضًا: «يا خديجة»، فأسلوبُ النّداءِ هنا يدلُّ على القربِ العاطفيِّ والحنينِ والحضورِ النّفسيِّ بوصفِه نقيضًا للاغترابِ وفقدانِ الذّاتِ في القصيدةِ الأولى، وكأنَّ الشّاعرَ يناجي حضورًا يسكنُ داخلَه، لذا فإنّ العاطفةَ المسيطرةَ هنا هي الحبُّ الممزوجُ بالتّأملِ والصّفاءِ الرّوحيِّ، يتجلّى ذلك في قولِه: «أنتِ احتساءُ المساءِ... وأنتِ النّتيجةُ... أنتِ السّببُ».
أيْ أنَّ «خديجةَ» هنا هي أصلُ الأشياءِ ومنتهاها، وفي الصّورةِ الشّعريّةِ نجدُ صورةً فلسفيّةً في مثل قولِه: «أنتِ النّتيجةُ... أنتِ السّببُ».
فالشّاعرُ يجمعُ بينَ البدايةِ والنّهايةِ، وكأنَّ المحبوبةَ هي سرُّ الوجودِ كلِّه، ونجدُ في هذهِ القصيدةِ الصّورةَ الانفعاليّةَ في قولِه: «فلمّا وجدتُك... فاضَ الذي فاضَ فيَّ...
وفاضَ الذي فاضَ فيك».
هذهِ صورةٌ تمثّلُ انفجارَ المشاعرِ وتبادلَها بينَ الطّرفي، كما نجدُ الصّورةَ الرّمزيّةَ في مثلِ قولِه» «وهمْ جلُّ هذا العنبْ»، فالعنبُ رمزٌ إلى النّضجِ والخيرِ والحلاوةِ وهي معانٍ تجعلُ من العنبِ ثمرةً للإنسانيّةِ، فهو يشبّهُ الطّيّبين بالثّمارِ النّاضجة».
أمّا الموسيقى الشّعريّةُ فقدْ تميّزت القصيدةُ بإيقاعٍ داخليٍّ واضح ٍناتجٍ عنْ تكرارِ عددٍ من الألفاظِ منْ مثلِ «يا خديجة» و «فاضَ» وهذا يخلقُ موسيقى وجدانيّةً مؤثّرةً.
ولوْ حاولْنا المقارنةَ بينَ القصيدتين سنجدُ ما يلي:
في الحالةِ النّفسيّةِ يظهرُ في القصيدةِ الأولى حزنٌ وضياعٌ ويظهرُ في القصيدةِ الثّانيةِ حبٌّ واكتمالٌ، أمّا اللغةُ فقد اعتمدت القصيدتان على لغةٍ شعريّةٍ تقومُ على الانزياحِ والتّكثيفِ، فالألفاظُ لا تؤدّي معناها المعجميَّ المباشرَ، بلْ تنفتحُ على دلالاتٍ إيحائيّةٍ متعدّدةٍ منْ ذلكَ: «تهاوتْ أغنياتي/ بعثرتْهُ الرّيحُ/ فاضَ الذي فاضَ فيَّ».
فهذهِ التّعبيراتُ تبتعدُ عن المباشرةِ، وتؤسّسُ لما يعرفُ باللغةِ الإيحائيّةِ في الشّعرِ الحديثِ، ولكنّها جاءتْ في الأولى حزينةً وتأمليّةً، أمّا في الثّانية فقدْ جاءتْ وجدانيّةً دافئةً، وكذا الصّورُ فقد جاءتْ في الأولى تعبّرُ عن الضّياعِ والملاذِ المفقود،ِ في حينِ جاءتْ في الثّانيةِ حضورًا حيًّا ومؤثّرًا، كما تميّزت الصّورُ الشّعريّةُ في النّصين بطابعِها الرّمزيِّ والحركيِّ؛ ففي قصيدةِ «تفاح خديجة» نجدُ صورًا تعتمدُ على عناصرِ الطّبيعةِ من صوتٍ ولونٍ وحركةٍ من مثلِ: «العصافير/ القمح/ الرّيح/ التّفاح»، وتؤدّي هذهِ العناصرُ وظيفةً رمزيّةً ترتبطُ بالحياةِ والفقدِ والحنينِ، أمّا في القصيدةِ الثّانيةِ، فتغلبُ الصّورُ الوجدانيّةُ المجرّدةُ من مثلِ: «احتساءِ المساءِ/ فاضَ الذي فاضَ فيّ». وهيَ صورٌ تنقلُ الانفعالَ الدّاخليَّ بطريقةٍ إيحائيّةٍ، فكانَ من الطّبيعيِّ أنْ تكونَ النّهايةُ في القصيدةِ الأولى معبّرةً عن الاغترابِ وفقدانِ الذّاتِ، وفي الثّانيةِ معبّرةً عن الاتّحادِ والاكتمالِ.
يقولُ الشّاعرُ: «لا تنوسُ الخطيئةُ إلّا إذا فارقَ العاشقون الغضبَ»، فتحملُ طابعًا شعريًّا رمزيًّا يمكنُ تأويلُه بمعنى أقربَ للحياة:
أحيانًا نقولُ كلامًا قاسيًا أو نتصرفُ بانفعالٍ أثناءَ الغضبِ، لكنّنا لا ندركُ أثرَه الحقيقيَّ إلّا بعدَ أنُ نهدأَ، وهذهِ العبارةُ تحملُ صورةً شعريّةً عميقةً يمكنُ فهمُها بشكلٍ أجملَ إذا نظرْنا إليها كجزءٍ منْ تجربةٍ عاطفيّةٍ بينَ عاشقين، والشّاعرُ -هنا- لا يتحدّثُ عنْ (خطيئةٍ) بالمعنى الدّينيِّ المباشرِ فقط، بلْ يقصدُ الخطأَ العاطفيَّ والانفعالَ قولًا أو فعلًا جارحًا بينَ المحبّين.
أمّا في البعدِ الفلسفيِّ والإنسانيِّ فتحملُ القصيدتان بعدًا فلسفيًّا واضحًا، خاصّةً في معالجةِ مفاهيمَ منْ مثل: الحبّ/ الوجود/ الغياب/ الهويِّة».
ويظهرُ ذلكَ بصورةٍ خاصّةٍ في العلاقةِ بينَ «الأنا» و'الآخر»، ففي القصيدةِ الأولى تعيشُ الذاتُ فقدَ الآخرِ، الأمرُ الذي يؤدّي إلى فقدِ الذّاتِ، أمّا في الثّانيةِ فإنَّ العثورَ على الآخرِ يؤدّي إلى اكتمالِ الوجودِ.
أمّا البنيةُ النّفسيّةُ للذّاتِ الشّاعرةِ فتكشفُ القصيدةُ الأولى عنْ ذاتٍ تعيشُ حالةَ اغترابٍ نفسيٍّ ووجوديٍّ، يتجلّى ذلك في كثافةِ الأسئلةِ التي تهيمنُ على النّصِ، فتوظيفُ الاستفهامِ هنا لا يأتي لطلبِ الإجابةِ، بلْ للتّعبيرِ عن القلقِ الوجوديِّ؛ فالذاتُ تبدو فاقدةً للتّوازنِ تبحثُ عن المعنى وسطَ عالمٍ يتداعى منْ حولِها، ويبلغُ هذا الشّعورُ ذروتَه في نهايةِ القصيدة: «أمضي... بدوني»، وهيَ عبارةٌ مكثّفةٌ تعبّرُ عنْ أعلى درجاتِ الاغترابِ؛ إذْ لمْ تعد الذّاتُ منفصلةً عن الآخرين فقط، بلْ أصبحتْ منفصلةً عنْ نفسِها أيضًا، أمّا في القصيدةِ الثّانيةِ فتتحوّلُ هذه الذّاتُ من حالةِ الانكسارِ إلى حالةِ الامتلاءِ الوجدانيِِّ، حيثُ يتحقّقُ نوعٌ من الاتّحادِ بينَ الأنا والآخر: «كوني... أكنْ»، وهنا يصبحُ وجودُ الذّاتِ مرتبطًا بوجودِ الآخرِ في صياغةٍ فلسفيّةٍ تعكسُ التّداخلَ بينَ الحبِّ والكينونةِ.
تكشفُ القصيدتان عنْ شاعرٍ يمتلكُ حسًّا وجدانيًّا عميقًا وقدرةً على تحويلِ المرأةِ إلى رمزٍ متعدّدِ المعاني، كما تكشفُ القصيدتان تجربةً شعريّةً ناضجةً تجمعُ بينَ العمقِ الوجدانيِّ والثّراءِ الرّمزيِّ، وقدْ نجحَ الشّاعرُ في توظيفِ الرّمزِ والاستفهامِ والتّكرارِ والصّورةِ والانزياحِ اللغويِّ لبناءِ نصٍّ شعريٍّ يحملُ أبعادًا نفسيّةً وفلسفيّةً وإنسانيّةً، الأمرُ الذي يمنحُ النّصين قيمةً فنيّةً وجماليّةً واضحةً ضمنَ سياق الشّعرِ العربيِّ الحديثِ.
»تفّاحُ خديجة«
هلْ أنا..
أتوسّمُ الآنَ القصيدةَ في التّذكّرِ..
أمْ إلى النّثرِ تهاوتْ أغنياتي..
وانتهى فيها جنوني...؟
مالَ القصيدةِ لا تَمدُّ إليَّ إلّا
ما تبقّى منْ حنيني...؟
منْ أينَ تأتيني العصافيرُ التي رحلتْ..
وقمحي بعثرتْه الرّيحُ!
منْ أينَ لي بخديجةٍ أخرى تدثّرُني
بتفاحاتِها منْ بردِ جوْفي؟
أَمضي إلى شِعري بلا أحبابْ.
أمضي بدونِكمُ..
بلا بلدي بلا أعشابِها
أمضي.... بدوني!!!
الشّارقة، 2009
»يا خديجة«
لا تنوسُ الخطيئةُ في النّفسِ إلّا إذا
فارق العاشقون الغضبْ.
يا خديجة...
أنتِ احتساءُ المساءِ.. وأنتِ النتيجةُ.. أنتِ السّببْ.
ياخديجةُ حينَ ندهتُكِ.. منْ أينَ لي بخديجةَ؟!
كنتُ أبحثُ عنكِ..
فلّما وجدتُكِ.. فاضَ الذي فاضَ فيَّ..
وفاضَ الذي فاضَ فيكِ..
يا خديجةُ..
كوني.. أكنْ..
لا تنوسُ الخطيئةُ.. لكنّما الطّيبونَ
همُ الطّيبونَ..
وهمْ جُلُّ هذا العنبْ».
الشّارقة، 2012