تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات متسارعة على المستويين الدبلوماسي والعسكري، تتقاطع فيها مسارات التفاوض مع التصعيد الميداني، وتتداخل الاعتبارات الإقليمية مع الحسابات الدولية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسويات جذرية بعيدة المنال.
وفي هذا السياق، تبرز محاولات إبقاء قنوات الاتصال بين إسرائيل ولبنان مفتوحة رغم التعثر والتأجيل، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من تداعيات تهديدات جماعة الحوثيين على الملاحة الدولية في مضيق باب المندب وانعكاساتها على الأمن البحري والاقتصاد العالمي، وذلك في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وتصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو التي حملت رسائل تصعيدية واضحة.
ومن المتوقع أن يلتقي السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، هذا الأسبوع السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة، في إطار مساعٍ أميركية للحفاظ على قنوات الاتصال بين تل ابيب وبيروت، بعد تعثر المسار التفاوضي وإرجاء الاجتماعات التي كان من المقرر عقدها في العاصمة الإيطالية روما.
وأفادت صحيفة «هآرتس» بأن اللقاء يأتي عقب تأجيل اجتماع كان مقررًا بين طاقمي التفاوض الإسرائيلي واللبناني إلى الشهر المقبل، في وقت تحاول فيه واشنطن منع انهيار المسار التفاوضي بشكل كامل.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع أن السبب الأساسي لتأجيل محادثات روما إلى الشهر المقبل «لوجستي»، ويرتبط بقيود في جداول المشاركين، من بينها الأعياد اليهودية في إسرائيل والاستعدادات لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي المقابل، نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مصدر سياسي قوله إن خطة الجيش اللبناني لسحب سلاح حزب الله قد فشلت، مدعيًا وجود تنسيق بين قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وحزب الله، ومؤكدًا تأجيل المفاوضات إلى تشرين الأول المقبل، فيما زعم أن الجيش الإسرائيلي هو الطرف الوحيد القادر على إنهاء وجود الحزب في جنوب لبنان.
وفي تطور ميداني، تباهى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مساء الإثنين، بحجم الدمار الذي خلفته التفجيرات الإسرائيلية في مرتفعات علي الطاهر جنوب لبنان، معلنًا أن إسرائيل ستواصل تدمير ما تصفه بـ"البنى التحتية الإرهابية» في ما تسميه «المنطقة الأمنية» داخل الأراضي اللبنانية، ومهددًا خصومها بتوجيه «ضربات أشد» في حال استئناف مهاجمتها.
وجاءت تصريحات نتنياهو في بيان مصور عرض خلاله تعليقا لبنانيا على مشاهد التفجيرات التي نشرها الجيش الإسرائيلي في تلة علي الطاهر، واعتبر فيها أن ما جرى يمثل إعلانًا عن «انتهاء المشروع» الذي يمثله حزب الله، وأن الحزب «انتهى عسكريًا في لبنان»، وظهر التعليق على قناة لبنانية معروفة بتأييدها لمواقف حزب القوات اللبنانية.
وعقب عرض المقطع، قال نتنياهو إن إسرائيل حققت «انتصارًا هائلًا آخر على حزب الله»، مدعيًا أنها دمرت «حصنه الكبير» في مرتفعات قلعة الشقيف وعلي الطاهر.
وزعم أن البنى العسكرية التي أقامها حزب الله في علي الطاهر لم تكن موجهة نحو الجليل والجولان السوري المحتل فحسب، بل استُخدمت، وفق روايته، موقع قيادة متقدمًا ضمن خطة الحزب لاحتلال الجليل، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي صادر «كميات هائلة من الأسلحة» من أنفاق قال إنها أُنشئت بتمويل إيراني.
ووجه نتنياهو تهديدًا مباشرًا إلى خصوم إسرائيل، قائلًا إنهم سيتلقون «ضربات أشد» إذا قرروا مهاجمة إسرائيل مجددًا، مضيفًا أن «هناك عملًا آخر ينبغي استكماله، ونحن سنستكمله».
وفي الملف اليمني، أوصى الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي بالامتناع عن المبادرة إلى شن هجوم على الحوثيين أو تنفيذ عمليات عسكرية تجعل إسرائيل في واجهة المواجهة، داعيًا في المقابل إلى التركيز على التحركات السياسية، وذلك في أعقاب سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، وفق ما أوردته «هآرتس».
ونقلت الصحيفة، الثلاثاء، عن مصادر أمنية إسرائيلية أن ضباطا كبارا في الجيش دعوا خلال مداولات مغلقة عقدت في الأيام الأخيرة إلى التركيز في المرحلة الحالية على الجهود السياسية لإنشاء تحالف دولي وإقليمي لمواجهة التهديد الحوثي.
وبحسب المصادر، يرى الجيش الإسرائيلي أن تهديد الحوثيين يتجاوز السياق الإسرائيلي المباشر، خصوصًا أن باب المندب يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وأن أي تهديد للملاحة فيه قد تكون له تداعيات واسعة على استقرار الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية.
وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية إن الجيش يستعد لاحتمال أن تقرر إيران استخدام الحوثيين ضد إسرائيل بصورة مباشرة في حال تصاعد التوتر العسكري بينها وبين الولايات المتحدة.
واعتبرت المصادر أن خطورة التهديد الحوثي لإسرائيل لا ترتبط بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرته على توسيع نطاق الجبهات وتهديد حركة التجارة والملاحة البحرية، مشيرة إلى أن تنفيذ رد عسكري محدود لن يشكل، وفق التقدير الإسرائيلي، حلًا طويل الأمد لهذه المعضلة.
ويرى الجيش الإسرائيلي، بحسب الصحيفة، أن تحويل الجبهة الحوثية إلى قضية دولية وإشراك دول متعددة في مواجهتها من شأنه أن يبقي إيران في مركز الاهتمام والخطاب الدوليين، بدل حصر المواجهة في إطار إسرائيلي مباشر.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن تصريحات نتنياهو الأخيرة تحمل أبعادًا سياسية داخلية وانتخابية إلى جانب رسائلها العسكرية، إذ يسعى من خلالها إلى إبراز صورة القوة والردع في مواجهة خصوم إسرائيل، إلا أن هذه اللهجة التصعيدية قد تزيد من تعقيد أي مسار تفاوضي محتمل مع لبنان، كما قد تضعف موقع الجيش اللبناني بوصفه طرفًا قادرًا على فرض الاستقرار في الجنوب.
وفي المقابل، تعكس المقاربة الإسرائيلية تجاه الحوثيين إدراكًا متزايدًا لصعوبة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معهم، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.
ويبدو أن الدعوة إلى تشكيل تحالف إقليمي ودولي تستند إلى تقدير إسرائيلي بأن تهديد باب المندب يتجاوز المصالح الإسرائيلية المباشرة، وأن التعامل معه باعتباره تهديدًا للملاحة والتجارة العالمية قد يتيح توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في مواجهته.
وقد يشكل هذا التحول من التركيز على العمل العسكري المباشر إلى الدفع باتجاه تحرك سياسي متعدد الأطراف تطورًا مهمًا في المقاربة الإسرائيلية تجاه الساحة اليمنية، خصوصًا في ظل المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وفتح جبهات جديدة.
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو احتمالات التصعيد المحدود في جنوب لبنان قائمة، مع استمرار إسرائيل في التركيز على ما تسميه «المنطقة الأمنية» ومحاولة فرض معادلة ردع جديدة، في وقت قد يواجه فيه هذا النهج بمقاومة من حزب الله، بما يبقي احتمالات تكرار جولات التصعيد والتهدئة قائمة.
وفي اليمن، يرجح أن تواصل إسرائيل تبني مقاربة أكثر تحفظًا تجاه الحوثيين، تقوم على الدفع نحو تحالف إقليمي ودولي بدل الانخراط منفردة في مواجهة مباشرة، مع إمكانية السعي إلى إشراك دول عربية وإقليمية معنية بأمن الملاحة، والتركيز على حماية حركة التجارة الدولية في باب المندب.
وفي الحالتين، سيبقى الدور الإيراني عنصرًا مؤثرًا في تحديد مسار الأحداث، سواء في لبنان أو اليمن، في ظل إمكانية استخدام طهران لهذه الجبهات أوراق ضغط ضمن أي مفاوضات أو مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويعكس المشهد الإقليمي، في محصلته، درجة عالية من التعقيد والترابط، حيث تتداخل المسارات الدبلوماسية مع التطورات العسكرية، وتتقاطع الحسابات المحلية مع الأبعاد الإقليمية والدولية. ومع استمرار غياب مؤشرات واضحة على تسويات جذرية وقريبة، تبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، ومحفوفة بمخاطر التصعيد وتوسّع رقعة المواجهة.