صادف يوم الثالث عشر من شهر أيلول اليوم العالمي للقانون، وهي مناسبة دولية تستحضر فيها المجتمعات أهمية القانون في تنظيم حياة الأفراد، وحماية حقوقهم وحرياتهم الدستورية على أساس العدالة والمساواة. غير أن إحياء هذا اليوم يجب ألا يقتصر على إبراز أهمية القانون أو تعداد التشريعات النافذة، وإنما يجب أن يشكل فرصة لتقييم مدى احترام أحكامه وتطبيقها، وقدرتها على تحقيق الغايات التي شرعت من أجلها.
فمكانة القانون في أي دولة لا تقاس بكثرة التشريعات وتشعبها، وإنما بجودة هذه القواعد وفاعليتها في الواقع العملي. فالقانون الجيد هو الذي يصاغ بوضوح ودقة، ويستجيب لحاجة مجتمعية حقيقية، وتكون أحكامه قابلة للتطبيق، وآثاره خاضعة للمراجعة والتقييم. فالنص القانوني، مهما بلغت دقة صياغته، يبقى عاجزا عن تحقيق أهدافه إذا لم تقترن به إرادة مؤسسية جادة لتنفيذه.
وترتبط جودة التشريع بمبدأ الأمن القانوني، الذي يقوم على وضوح القواعد واستقرارها، بحيث يتمكن الأفراد والمؤسسات من ترتيب أوضاعهم في ضوء نصوص تشريعية مستقرة. فالتعديل المتكرر للقوانين أو تضارب أحكامها من شأنه أن يضعف الثقة بالمنظومة التشريعية، ويؤثر في استقرار المراكز القانونية. كما تتصل هذه الاعتبارات بمبدأ سيادة القانون، الذي يقوم على خضوع الدولة بحكامها ومحكوميها لأحكام القوانين النافذة.
وفي الأردن، حظي مبدأ سيادة القانون باهتمام ملكي متواصل، تجلى في الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبدالله الثاني عام 2016، بعنوان 'سيادة القانون أساس الدولة المدنية'، التي أكد فيها وجوب خضوع الجميع، أفرادا ومؤسسات وسلطات، لحكم القانون، وضرورة تطبيقه على الجميع دون استثناء أو تمييز.
ويبرز القضاء في مقدمة الضمانات المؤسسية لسيادة القانون في الأردن، إذ لا يمكن لهذا المبدأ أن يتحقق من دون سلطة قضائية مستقلة، وهو ما شكل على الدوام محط عناية ملكية، باعتبار القضاء الضمانة الأساسية لحماية الحقوق والحريات، والفيصل في المنازعات بين الأفراد، وبينهم وبين الإدارة، والضامن لخضوع الجميع لأحكام القانون. ولا تكتمل سيادة القانون بمجرد كفالة حق التقاضي، وإنما تتطلب سرعة الفصل في المنازعات، وتيسير الوصول إلى العدالة، وتنفيذ الأحكام القضائية واحترام حجيتها.
ويظهر الاختبار الحقيقي لسيادة القانون كذلك في عدالة إنفاذ أحكامه على الجميع. فالواسطة والمحسوبية لا تمثلان مجرد ممارسات إدارية سلبية، وإنما تمسان جوهر سيادة القانون، لما تفضيان إليه من محاباة غير مشروعة وإضعاف لثقة المواطن بعدالة المؤسسات. وقد خص جلالة الملك عبدالله الثاني هذه الظاهرة بالحديث في ورقته النقاشية السادسة، مؤكدا أن الواسطة والمحسوبية من السلوكيات التي تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، وتقوض قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة الصالحة.
أما على مستوى المؤشرات الدولية، فقد احتل الأردن المرتبة 62 من أصل 143 دولة، والرابعة من بين عشر دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر سيادة القانون لعام 2025. وهذا الترتيب يجب النظر إليه باعتباره مؤشرا على ما تحقق، وحافزا لمواصلة تطوير التشريعات والقضاء والإدارة العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة والمساواة في تطبيق القانون.
وتزداد أهمية هذه الجهود في ظل التحول الرقمي والتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة وتقديم الخدمات واتخاذ القرارات. فهذه التقنيات يمكن أن تسهم في سرعة إنفاذ القانون وتحسين الخدمات العامة والحد من التدخل البشري، لكنها يجب ألا تكون على حساب الضمانات القانونية للأفراد. فالقرار الإداري الذي تسهم الأنظمة الرقمية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي في اتخاذه يجب أن يبقى خاضعا لمبدأ المشروعية والمساءلة، وأن تتاح للأفراد إمكانية مراجعته والطعن فيه وفق أحكام القانون.
خلاصة القول، إن اليوم العالمي للقانون يعد مناسبة للوقوف على أثر القواعد القانونية في حياة الأفراد وأداء مؤسسات الدولة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود القانون بقدر ما يتمثل في فاعلية تطبيقه وقدرته على تحقيق العدالة وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومن هنا، تبقى سيادة القانون مسارا متجددا يتطلب مراجعة مستمرة للممارسات والتشريعات الوطنية، بما يكفل حماية الحقوق والحريات ومواكبة التطورات المجتمعية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com