ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو العالمي نحو 3% في عام 2026، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 3.5% في عامي 2024 و2025، مع ارتفاع النمو المتوقع إلى 3.4% في عام 2027. ويعكس هذا التباطؤ مجموعة من العوامل، من بينها الحرب وارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف التجارة العالمية، وتشدد الأوضاع المالية، وارتفاع مستويات الدين.
وتكمن خطورة صدمة الطاقة في أنها لا تقتصر على النفط والغاز، بل تنتقل إلى النقل والإنتاج والكهرباء والأسمدة والغذاء. وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 30% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في يونيو 2026. وقد ساعد استخدام المخزونات وزيادة الإنتاج والتكرير خارج منطقة الخليج وإجراءات خفض الطلب على الحد من ارتفاع الأسعار.
لكن استخدام المخزونات يمثل حلا مؤقتا فالبرميل الذي تسحبه الدول اليوم يجب إعادة شرائه لاحقا. ولهذا فإن حاجة العديد من الدول إلى إعادة بناء مخزوناتها قبل الشتاء قد تخلق طلبا إضافيا على النفط والغاز، حتى إذا لم يحدث تصعيد جديد في الحرب. ومع ارتفاع الطلب الموسمي في الشتاء، يمكن أن تتجدد الضغوط على الأسعار.
وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمتلك نحو 2 مليار برميل من المخزونات التجارية والاستراتيجية، بينما تقدر مخزونات الصين بنحو 1.3 مليار برميل. كما يمكن للمخزونات الاستراتيجية والتجارية لدى الدول المستوردة أن تغطي نظريا نحو 40 إلى 45 يوما من نقص الإمدادات العالمية عند مستويات الاضطراب الحالية. وهذا يوضح أن المخزونات تمنح الاقتصاد العالمي وقتا للتكيف، لكنها لا تستطيع تعويض نقص الإمدادات إلى ما لا نهاية.
وفي الجانب الإيجابي أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قوة داعمة للنمو والاستثمار في عدد من الاقتصادات الكبرى. لكن هذه الطفرة نفسها تزيد الطلب على الكهرباء والطاقة، ما يعني أن التكنولوجيا قد تكون في الوقت نفسه عاملا داعما للنمو ومصدرا لزيادة الطلب على الطاقة.
أما الخطر الأكبر فيتمثل في الدين العام العالمي الذي يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع تاريخيا. ومع ارتفاع أسعار الفائدة تصبح خدمة الدين أكثر كلفة، وتضيق قدرة الحكومات على الاقتراض لمواجهة الصدمات. فإذا ارتفعت أسعار الطاقة، قد تحتاج الحكومات إلى زيادة الدعم والإنفاق لحماية الأسر والقطاعات الإنتاجية، ما يرفع العجز والدين، في وقت ترتفع فيه تكلفة التمويل.
وهنا تواجه السياسة الاقتصادية معادلة صعبة. رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم قد يضعف النمو ويرفع تكلفة الدين بينما زيادة الإنفاق الحكومي قد تحمي الاقتصاد في المدى القصير لكنها تزيد الضغوط المالية في المدى الطويل.
بالنسبة للأردن تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة. فالأردن مستورد للطاقة، ولذلك فإن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على فاتورة الاستيراد وتكاليف النقل والإنتاج والحساب الجاري والأسعار. وفي سيناريو استمرار اضطرابات الحرب لفترة محدودة، قدر صندوق النقد أن ينخفض النمو الأردني إلى 2.7% مقارنة بـ3% قبل الحرب، وأن يرتفع التضخم إلى نحو 2.3%، وأن يتسع عجز الحساب الجاري إلى 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
لذلك فإن قوة الاقتصاد الأردني في مواجهة الصدمات تعتمد على المحافظة على الاحتياطيات الأجنبية واستقرار سعر الصرف، وضبط الدين والمالية العامة وتعزيز الصادرات والسياحة والاستثمار.
الاقتصاد العالمي لم يتجاوز صدمة الطاقة وإنما تمكن حتى الآن من امتصاصها. لكن استمرارها قد يجعل المعادلة أكثر صعوبة، خصوصا إذا اجتمعت أسعار الطاقة المرتفعة مع التضخم وارتفاع تكلفة التمويل والدين المرتفع. ولهذا فإن الصمود الاقتصادي لا يقاس فقط بتحقيق نمو يبلغ 3%، بل بقدرة الاقتصادات على الحفاظ على هوامش الأمان المالية والنقدية والخارجية. صمود الاقتصاد العالمي مهم، لكن الأهم الحفاظ على هذا الصمود إذا طال أمد الصدمة.