ولأن الأجهزة الذكية تسعى للسيطرة على كافة مناحي حياتنا، فإن هناك تفاصيل دقيقة تجعلنا نقف لندرك خطورة ما بأيدينا من تقنيات. فعند بدء تشغيل جهاز جديد، يُطلب البريد الإلكتروني كخطوة أولى اجبارياً ليتعرف إليك كشخص، وتكون قد أعطيت اسمك وحددت موقعك الجغرافي ورقم هاتفك وتاريخ ميلادك مسبقاً، فهذا الاختراق التعريفي الضمني يفتح الباب واسعاً للحصول على معلومات أكثر عنك عبر الصور والملفات والرسائل. وعليه، تبدأ الرحلة بتحميل قائمة الاتصال لتحديد دائرة علاقاتك المباشرة وغير المباشرة، لتفضي هذه الخطوة إلى إحكام السيطرة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. وبينما يظن الجميع أن سبل الحماية تكون بتعريف بصمة الإصبع أو الإبهام أو الوجه، فإنهم لا يعلمون أن هذا هو التعرف الأدق لهويتك البيومترية. ومع وجود الكاميرا والميكروفون اللذين يخزنان بصمتك الصوتية والبصرية، نجد أنفسنا نتحرك ضمن أنظمة تشغيل لا تحمي الخصوصية قدر ما تتاجر بها عبر منح الأذونات المطلقة بوعي منا أو بدونه.
إن هذا التتبع لم يعد حكراً على أروقة الدول، بل هو امتداد لصراع المعلومات الذي وثقته سلسلة (Spycraft) عبر منصة (Netflix)، والتي استعرضت تطور التنصت وصولاً إلى برمجيات الاختراق المتقدمة مثل (NSO Group) عبر برنامجها الشهير (Pegasus)، والذي يمثل ذروة التجسس الرقمي باختراقه للهواتف دون تفاعل من المستخدم، مما يؤكد أن التجسس تحول من غايات أمنية إلى صناعة تجارية ضخمة تندمج فيها المراقبة بالاستغلال التجاري لبياناتنا وخصوصيتنا. وهنا يبرز السؤال الأهم: من المستفيد الحقيقي من هذا الفيض المتدفق؟ الإجابة تتجاوز شركات التقنية الكبرى لتشمل شبكة خوارزميات الإعلانات الموجهة وشركات وساطة البيانات التي تسعى لبناء توأم رقمي يتوقع رغبات المستخدم وقراراته. برأيي، في ظل العجز التشريعي وتأخر القوانين عن ملاحقة هذا التطور المتسارع لحماية البيانات، تبرز الضرورة لتبني سلوك رقمي حذر يوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وتقييد أذونات التعقب،لأنه إذا كان القانون لا يحمي المغفلين، فإن التكنولوجيا لا ترحم المستخدمين.