خطاب العرش.. إعادة تعريف قوة الدولة الأردنية في زمن التحولات الإقليمية

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:34 3-11-2026
رومان حداد

جاء خطاب العرش، النطق السامي، الذي ألقاه الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، في لحظة حرجة سياسيًا على المستوى الإقليمي، ولحظة اختبار وطني صعبة، فكان خطابًا يؤسس لما بعد، عبر إعادة تعريف لمفهوم قوة الدولة الأردنية ومصادر شرعيتها، وتأكيد قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية.

فقد حمل الخطاب تصورا سياسيا متكاملا يقوم على أن أمن الأردن لم يعد قابلا للفصل عن تماسك مجتمعه، وأن قدرته على مواجهة التهديدات الخارجية ترتبط بنوعية الحكم داخله، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلبب بالإضافة إلى الاعتماد على الصلابة الأمنية والمؤسسية وحدها، بناء شرعية متجددة تستند إلى الإنجاز الاقتصادي وسيادة القانون والمشاركة السياسية.

وأكد جلالة الملك في خطابه أنه لم يعد من الممكن أن نتعامل مع التحديات باعتبارها ملفات منفصلة، بل جاء الخطاب ليربط بينها ضمن معادلة واحدة، تجعل الأمن والسياسة والاقتصاد والمياه والعدالة عناصر متكاملة في إنتاج المنعة الوطنية، وهذا الربط يعكس إدراكا ملكيا لطبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، إذ لم تعد التهديدات مقتصرة على الحدود أو التنظيمات المتطرفة، وإنما امتدت إلى الضغوط الاقتصادية والتحولات الإقليمية والتحديات الديموغرافية وضرورة تطوير الثقة بالمؤسسات ومحدودية الموارد الاستراتيجية.

وجاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في تناوله للجريمة الإرهابية في الكرك يحمل دلالة سياسية تتجاوز إدانة الاعتداء وتكريم الشهداء. فقد وضع التهديد الإرهابي في إطار العلاقة بين الدولة والمجتمع، باعتباره اعتداءً على الأردنيين جميعهم وعلى نسيجهم الوطني، وهو ما نزع أي مشروعية اجتماعية أو وطنية عن العنف المتطرف، وعزز الحدود الفاصلة بين الاختلاف المشروع مع الدولة أو بين المواطنين واستهدافها واستهدافهم بالإرهاب.إذ يرسخ التوجه الملكي مفهوم الأمن المجتمعي بوصفه امتدادا للأمن الوطني، بحيث تصبح قدرة المجتمع على رفض التطرف وعزل حاملي هذا الفكر جزءا من منظومة الحماية، إلى جانب الدور الذي تؤديه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

وجاءت القراءة الأعمق في الخطاب الملكي حين أكد جلالته أن دور المواطن يتجاوز الالتفاف العاطفي حول الدولة خلال الأزمات، ليصبح الوعي العام وضبط الانفعالات والقدرة على التمييز بين الحقائق والشائعات عناصر أساسية في منع انتقال الأزمات الأمنية إلى أزمات سياسية واجتماعية، وهو حالة الوعي التي أظهرها الأردنيون في الجريمة الإرهابية الأخيرة.

وبالتأكيد لم تغب فلسطين عن خطاب العرش، حيث حمل الخطاب موقفًا سياسيًا يتجاوز الإطار التقليدي للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، عبر وضع السياسات التوسعية الإسرائيلية في موقع التهديد الاستراتيجي لمستقبل الإقليم، وليس مجرد عقبة أمام استئناف العملية السياسية.

وهذا التوصيف مهم في فهم التحول الذي تشهده المقاربة الأردنية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فالأردن ينظر إلى تطورات الضفة الغربية والقدس باعتبارها قضايا تتصل مباشرة بأمنه الوطني ومصالحه الاستراتيجية، خصوصا أن استمرار التوسع الاستيطاني وتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية يفتحان المجال أمام سيناريوهات تمس التوازنات الجغرافية والسياسية والديموغرافية في المنطقة.

وربما كانت الرسائل الموجهة إلى مجلس الأمة من أكثر الرسائل أهمية على المستوى الداخلي، لأنها لم تقتصر على مطالبة مجلس الأمة بغرفتيه بأداء وظائفه الدستورية، بل تناولت طبيعة سلوكه السياسي وأثره في صورة الدولة ومصداقية مشروع التحديث.

فالخطاب الملكي جاء منبهًا للفجوة المحتملة بين تطوير البنية الشكلية للمشاركة السياسية وبين تطور الممارسة البرلمانية الفعلية، وهذه مسألة جوهرية في التجربة الأردنية، خصوصا مع الانتقال التدريجي نحو تعزيز العمل الحزبي والبرامجي، ورفع التوقعات المرتبطة بدور الأحزاب داخل مجلس النواب.

ويكشف الخطاب الملكي عن إدراك أن نجاح التحديث السياسي لا يمكن قياسه بعدد الأحزاب أو المقاعد الحزبية أو التشريعات التي يتم إقرارها، وإنما بقدرة البرلمان على ممارسة الرقابة والمساءلة وإدارة الاختلاف وإنتاج سياسات عامة تستجيب لمصالح المواطنين.

وجاء الخطاب الملكي ليؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمكن اعتباره تهديدا للاستقرار، ولكنه أحد مصادر قوة النظام السياسي، وهذا تمييز أساسي بين التعددية التي تعمل داخل المؤسسات الدستورية وبين الصراع الذي يستهدف تعطيلها أو نزع مشروعيتها.

في الجانب الاقتصادي، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس النتائج الملموسة، وليس على أساس السياسات المعلنة أو حجم المشاريع التي يجري الإعلان عنها، وهذا الخطاب يحمل دلالة سياسية مهمة، لأن الاستقرار الذي شكل أحد أبرز عناصر قوة الدولة الأردنية لعقود لم يعد كافيا وحده لتلبية توقعات مجتمع تتزايد احتياجاته الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا في ظل تحديات البطالة وتكاليف المعيشة.

وقد بدا واضحًا أن الملك يتجه نحو مساءلة الأداء الحكومي وفق معيار الأثر المباشر في حياة المواطنين، بما يعني أن نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لن يتحدد بحجم الاستثمارات المستقطبة أو معدلات النمو الكلية فقط، وإنما بقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين الخدمات ورفع مستوى الدخل، وتقليص الفجوات التنموية.

وقد احتلت قضية المياه موقعا استثنائيا في الخطاب، من حيث التركيز عليها وطبيعة التعامل معها بوصفها قضية أمن وطني تتجاوز نطاق الخدمات العامة والبنية التحتية، وهو تأكيد لخطاب جلالته من على منبر الأمم المتحدة، وهو مؤشر على تطور مفهوم السيادة في التفكير الاستراتيجي الأردني.

ومن الرسائل الجديرة بالتوقف أن الخطاب الملكي وضع المشاركة في الشأن العام وإبداء الرأي ضمن الإطار الدستوري للدولة، بما يفتح المجال أمام قراءة العلاقة بين الاستقرار السياسي وحرية التعبير بعيدا عن اعتبارهما مفهومين متعارضين، فالأردن يواجه تحديا يتمثل في الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية مع ضرورة الحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية مضطربة من جهة أخرى.

خطاب العرش جاء مليئا بالرسائل والدلالات، ولكن أبرزها أن مستقبل الأردن بما يستطيع تحقيقه من إصلاحات وإنجازات، وأن قوة الدولة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المواطن شريكا في حمايتها ومستفيدا من تنميتها وواثقا بعدالة مؤسساتها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }