قد يجلس في آخر الصف طفلٌ لا يلفت الانتباه كثيرًا؛ علاماته عادية، وربما يصفه بعض معلميه بالشرود. لكنه حين يعود إلى البيت يفك جهازًا قديمًا ليعرف كيف يعمل، أو يرسم وجوهًا بتفاصيل مدهشة، أو يحفظ لحنًا من سماعه مرة واحدة، أو يجد حلًا لمسألة بطريقة لم تخطر لأحد. وإذا لم يصادف معلمًا ينتبه إليه، أو أسرة تدرك ما يملكه، أو بيئة تمنحه فرصة التجربة، فقد تمر موهبته بصمت، كما تمر أشياء كثيرة ثمينة في حياتنا: موجودة، لكنها لم تجد من يراها في الوقت المناسب.
المجتمعات في كل مكان ليست فقيرة بالمواهب. فالأطفال المتميزون موجودون في المدن والقرى، في المدارس الكبرى والصغيرة، وفي البيئات الميسورة والمحدودة على حد سواء. وتؤكد الدراسات التربوية والاجتماعية أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين يظهرون تفوقاً استثنائياً في مرحلة مبكرة تتلاشى قدراتهم تدريجياً بحلول المرحلة الثانوية، لا لشيء إلا لأنهم لم يحظوا برعاية مبكرة تتبنى كوامنهم. إن البيئة والتدريب والدعم والفرص عوامل حاسمة في تحويل الاستعداد إلى موهبة متطورة، وإن لم تجد الدعم قد لا تتحول إلى إنجاز أو قد يظهر ما يسمى بتدني التحصيل لدى بعض الموهوبين. إن السؤال الحقيقي والملحّ ليس: 'هل لدينا موهوبون؟' بل: 'كم موهبة نخسر كل عام لأننا لم نلتقط شرارتها الأولى، أو لأننا اكتشفناها ثم تركناها للرياح؟'.
تبدأ المشكلة غالباً من تعريفنا المحدود للموهبة نفسها. فما زالت العلامة المدرسية، في كثير من بيئاتنا، هي المقياس الأسرع للحكم على قدرات الطفل، مع أنها تقيس جانبًا محدوداً من الأداء ولا تكشف الإنسان كله. هناك من يبرع في الرياضيات، وآخر في الكتابة واللغة، وثالث في الموسيقى والفنون، ورابع في الرياضة، وخامس في التصميم أو البرمجة أو الخطابة أو حل المشكلات المركبة. وفي تراثنا التربوي العربي والإسلامي، كان هناك وعيٌ متقدم بهذه الفراسة المبكرة؛ حيث كانت الكتاتيب ومجالس العلم تلاحظ مكامن الذكاء النوعي والميول لدى الناشئة فتوجّه كلاً منهم لما يُناسب طبعه وقدراته، وقد تناول بعض المفكرين، ومنهم ابن سينا، أهمية هذا التوجيه المبكر وفق ما يلائم استعدادات كل طفل. وهي فكرة تسبق كثيرًا من المصطلحات الحديثة، وإن اختلفت أدوات القياس وأساليب التربية بين الأمس واليوم.
وتقدم التجارب الدولية نماذج مختلفة؛ فبعض الأنظمة التعليمية تعتمد التفريد داخل الصف ومراعاة الفروق بين الطلبة، بينما تطور أنظمة أخرى برامج متخصصة لاكتشاف القدرات العالية وتنميتها. فنلندا تعتمد بصورة أكبر على التعليم الشامل والتفريد داخل الصف. أما سنغافورة فلديها تاريخ طويل في برامج المتفوقين، وقد بدأت الآن إعادة تصميم هذا النظام بحيث تتوسع البرامج القائمة على مجالات القوة داخل المدارس نفسها،
ففي سنغافورة يجري الانتقال إلى نهج أوسع لدعم أصحاب القدرات الأكاديمية المرتفعة؛ ومن 2027 ستتوسع البرامج المدرسية لتصل إلى نحو 10% من الفئة العمرية، بدل نحو 7% حاليًا.
لتشمل نسبة أوسع من الطلبة. والمغزى ليس استنساخ تجربة بعينها، بل الاعتراف بأن التعليم العادل لا يعني أن نقدم لجميع الأطفال الشيء نفسه، وإنما أن نتيح لكل طفل ما يحتاجه كي يتقدم.
وهنا يحسن بنا أن نفكك خلطاً شائعاً ينبغي التفريق فيه؛ فالنظريات الحديثة تميز بين الاستعدادات الطبيعية وبين الموهبة المتطورة بالفعل؛ فالتدريب والبيئة والدافعية والمرشدون والفرص كلها تدخل في تحويل الإمكانية إلى أداء متميز. فليس كل طفل يحب مجالًا معينًا هو بالضرورة صاحب موهبة استثنائية فيه؛ الهوايةُ مساحةٌ لطيفة تُسعد صاحبها وتثري حياته، أما الموهبة فتبدأ عادة باستعداد لافت في مجال ما، لكنها لا تنضج من تلقاء نفسها؛ إذ تحتاج إلى التدريب والخبرة والفرصة والبيئة التي تسمح لهذا الاستعداد بأن يتحول إلى قدرة راسخة. ودور البيئة الواعية لا يقتصر على التشجيع العام، بل يتعداه إلى التمييز بين الموهبة التي تحتاج صقلاً وتوجيهاً احترافياً مكثفاً، وبين الهواية التي تحتاج رعاية مرنة تُبقيها مصدراً للشغف والمتعة.
المجتمعات في كل مكان ليست فقيرة بالمواهب. فالأطفال المتميزون موجودون في المدن والقرى، في المدارس الكبرى والصغيرة، وفي البيئات الميسورة والمحدودة على حد سواء. وتؤكد الدراسات التربوية والاجتماعية أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين يظهرون تفوقاً استثنائياً في مرحلة مبكرة تتلاشى قدراتهم تدريجياً بحلول المرحلة الثانوية، لا لشيء إلا لأنهم لم يحظوا برعاية مبكرة تتبنى كوامنهم. إن البيئة والتدريب والدعم والفرص عوامل حاسمة في تحويل الاستعداد إلى موهبة متطورة، وإن لم تجد الدعم قد لا تتحول إلى إنجاز أو قد يظهر ما يسمى بتدني التحصيل لدى بعض الموهوبين. إن السؤال الحقيقي والملحّ ليس: 'هل لدينا موهوبون؟' بل: 'كم موهبة نخسر كل عام لأننا لم نلتقط شرارتها الأولى، أو لأننا اكتشفناها ثم تركناها للرياح؟'.
تبدأ المشكلة غالباً من تعريفنا المحدود للموهبة نفسها. فما زالت العلامة المدرسية، في كثير من بيئاتنا، هي المقياس الأسرع للحكم على قدرات الطفل، مع أنها تقيس جانبًا محدوداً من الأداء ولا تكشف الإنسان كله. هناك من يبرع في الرياضيات، وآخر في الكتابة واللغة، وثالث في الموسيقى والفنون، ورابع في الرياضة، وخامس في التصميم أو البرمجة أو الخطابة أو حل المشكلات المركبة. وفي تراثنا التربوي العربي والإسلامي، كان هناك وعيٌ متقدم بهذه الفراسة المبكرة؛ حيث كانت الكتاتيب ومجالس العلم تلاحظ مكامن الذكاء النوعي والميول لدى الناشئة فتوجّه كلاً منهم لما يُناسب طبعه وقدراته، وقد تناول بعض المفكرين، ومنهم ابن سينا، أهمية هذا التوجيه المبكر وفق ما يلائم استعدادات كل طفل. وهي فكرة تسبق كثيرًا من المصطلحات الحديثة، وإن اختلفت أدوات القياس وأساليب التربية بين الأمس واليوم.
وتقدم التجارب الدولية نماذج مختلفة؛ فبعض الأنظمة التعليمية تعتمد التفريد داخل الصف ومراعاة الفروق بين الطلبة، بينما تطور أنظمة أخرى برامج متخصصة لاكتشاف القدرات العالية وتنميتها. فنلندا تعتمد بصورة أكبر على التعليم الشامل والتفريد داخل الصف. أما سنغافورة فلديها تاريخ طويل في برامج المتفوقين، وقد بدأت الآن إعادة تصميم هذا النظام بحيث تتوسع البرامج القائمة على مجالات القوة داخل المدارس نفسها،
ففي سنغافورة يجري الانتقال إلى نهج أوسع لدعم أصحاب القدرات الأكاديمية المرتفعة؛ ومن 2027 ستتوسع البرامج المدرسية لتصل إلى نحو 10% من الفئة العمرية، بدل نحو 7% حاليًا.
لتشمل نسبة أوسع من الطلبة. والمغزى ليس استنساخ تجربة بعينها، بل الاعتراف بأن التعليم العادل لا يعني أن نقدم لجميع الأطفال الشيء نفسه، وإنما أن نتيح لكل طفل ما يحتاجه كي يتقدم.
وهنا يحسن بنا أن نفكك خلطاً شائعاً ينبغي التفريق فيه؛ فالنظريات الحديثة تميز بين الاستعدادات الطبيعية وبين الموهبة المتطورة بالفعل؛ فالتدريب والبيئة والدافعية والمرشدون والفرص كلها تدخل في تحويل الإمكانية إلى أداء متميز. فليس كل طفل يحب مجالًا معينًا هو بالضرورة صاحب موهبة استثنائية فيه؛ الهوايةُ مساحةٌ لطيفة تُسعد صاحبها وتثري حياته، أما الموهبة فتبدأ عادة باستعداد لافت في مجال ما، لكنها لا تنضج من تلقاء نفسها؛ إذ تحتاج إلى التدريب والخبرة والفرصة والبيئة التي تسمح لهذا الاستعداد بأن يتحول إلى قدرة راسخة. ودور البيئة الواعية لا يقتصر على التشجيع العام، بل يتعداه إلى التمييز بين الموهبة التي تحتاج صقلاً وتوجيهاً احترافياً مكثفاً، وبين الهواية التي تحتاج رعاية مرنة تُبقيها مصدراً للشغف والمتعة.