لم يكن ينقص العلاقة البريطانية–الإسرائيلية المتوترة سوى جزر في أقصى جنوب الأطلسي كي تكتمل صورة التناقض الحاد بين الجانبين على المستوى السياسي والقيمي، فبينما تتجه لندن إلى سياسة أكثر تشدداً تجاه إسرائيل بسبب الحرب على غزة والاستيطان في الضفة الغربية، دخلت إسرائيل فجأة إلى قلب النزاع البريطاني–الأرجنتيني حول جزر فوكلاند، أو ' مالفيناس ' كما تسميها بوينس آيرس.
القصة بدأت من النفط، لكنها سرعان ما أصبحت سياسية، فشركة ' نافيتاس بتروليوم ' الإسرائيلية تملك 65% من مشروع ' سي ليون ' النفطي قبالة الجزر، فيما تملك شركة بريطانية النسبة المتبقية، وتقول الأرجنتين إن التراخيص الممنوحة للمشروع غير شرعية، لأنها صادرة عن سلطات تعتبرها بوينس آيرس جزءاً من منظومة الاحتلال البريطاني للجزر، وقد صعّدت القضية إلى إجراءات قانونية ضد الشركة الإسرائيلية ، وهنا دخلت إسرائيل إلى منطقة شديدة الحساسية من الاشتباك السياسي والقانوني مع بريطانيا، فوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دعا بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على فوكلاند وفرض عقوبات على بريطانيا، فيما سبق أن أعلن يائير نتنياهو ' ابن نتنياهو الاكبر سنا ' تأييده للموقف الأرجنتيني.
والمفارقة هنا أن إسرائيل تستخدم في هذه القضية، مفردات مثل ' الاحتلال' و' السيادة' و' استغلال الموارد' ، وهي المفردات نفسها التي تواجه بها بريطانيا إسرائيل عندما تتحدث عن الأراضي الفلسطينية والاستيطان.
طبعاً، لكل من فوكلاند وفلسطين ظروفهما التاريخية والقانونية الخاصة، ولا يصح اختزال القضيتين في معادلة واحدة، لكن السياسة الدولية لا تقوم على القانون وحده، بل على اتساق المعايير، بريطانيا تقول إن سكان فوكلاند اختاروا البقاء تحت السيادة البريطانية، وتتمسك بحقهم في تقرير المصير ( الاستفتاء على الجزر الذي جرى عام 2013 كان باغلبية الاصوات لصالح بقاء الجزر تحت التاج البريطاني ) فيما الأرجنتين تقول إن بريطانيا تحتل أرضاً أرجنتينية وتستغل مواردها الطبيعية.
وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن عن اذهان الفلسطينيين والسؤال هو إذا كان حق تقرير المصير مبدأً مقدساً، فلماذا لا يطبق بالوضوح نفسه على الشعب الفلسطيني؟ وإذا كانت إسرائيل ترى أن احتلال أرض الآخرين واستغلال مواردها يصبحان موضع اعتراض عندما يتعلق الأمر ببريطانيا، فكيف تنظر إلى السؤال نفسه عندما يتعلق الامر بالأراضي الفلسطينية؟
هذه هي المساحة التي يستطيع العرب والفلسطينيون استثمارها، من دون الانحياز إلى الأرجنتين أو تحويل فوكلاند إلى قضية فلسطينية جديدة، المطلوب هو استخدام هذه المفارقة في النقاش الدولي حول ازدواجية المعايير، والتوقيت هنا مهم أيضاً، فالأزمة تأتي في لحظة وصلت فيها العلاقات البريطانية–الإسرائيلية إلى مستوى بالغ التوتر، بعدما اتخذت لندن إجراءات ضد منتجات وخدمات مرتبطة بالمستوطنات، بينما تزداد حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه بريطانيا،
أما الارجنتين فيبدو أنها وجدت في هذا المناخ فرصة لإعادة قضية فوكلاند إلى الواجهة، خصوصاً مع تصاعد النزاع حول النفط والموارد الطبيعية، وهكذا أصبحت جزر بعيدة في جنوب الأطلسي نقطة تقاطع بين لندن وتل أبيب وبوينس آيرس، وربما واشنطن أيضاً.
لكن السؤال الأهم ليس من سيربح معركة فوكلاند؟ بل هل يستطيع الفلسطينيون أن يربحوا شيئاً منها؟
الفرصة موجودة إذا جرى التعامل معها باعتبارها نموذجاً جديداً لطرح السؤال المحوري هل القانون الدولي واحد للجميع، أم أن له نسخاً متعددة وفقاً لموازين القوة؟
ففي السياسة الدولية، ليست كل الفرص في يد من يملك القوة، أحياناً تأتي الفرصة من التناقض الذي يقع فيه الآخرون، وفوكلاند تقدم للفلسطينيين اليوم واحدة من هذه المفارقات النادرة: إسرائيل تتحدث عن ' احتلال' بريطاني، وبريطانيا تتحدث عن ' تقرير المصير' ، بينما لا يزال الفلسطينيون ينتظرون أن يصبح هذان المبدآن قاعدة واحدة لا استثناءات متعددة.
Rajatalab5@gmail.com
القصة بدأت من النفط، لكنها سرعان ما أصبحت سياسية، فشركة ' نافيتاس بتروليوم ' الإسرائيلية تملك 65% من مشروع ' سي ليون ' النفطي قبالة الجزر، فيما تملك شركة بريطانية النسبة المتبقية، وتقول الأرجنتين إن التراخيص الممنوحة للمشروع غير شرعية، لأنها صادرة عن سلطات تعتبرها بوينس آيرس جزءاً من منظومة الاحتلال البريطاني للجزر، وقد صعّدت القضية إلى إجراءات قانونية ضد الشركة الإسرائيلية ، وهنا دخلت إسرائيل إلى منطقة شديدة الحساسية من الاشتباك السياسي والقانوني مع بريطانيا، فوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دعا بنيامين نتنياهو إلى الاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على فوكلاند وفرض عقوبات على بريطانيا، فيما سبق أن أعلن يائير نتنياهو ' ابن نتنياهو الاكبر سنا ' تأييده للموقف الأرجنتيني.
والمفارقة هنا أن إسرائيل تستخدم في هذه القضية، مفردات مثل ' الاحتلال' و' السيادة' و' استغلال الموارد' ، وهي المفردات نفسها التي تواجه بها بريطانيا إسرائيل عندما تتحدث عن الأراضي الفلسطينية والاستيطان.
طبعاً، لكل من فوكلاند وفلسطين ظروفهما التاريخية والقانونية الخاصة، ولا يصح اختزال القضيتين في معادلة واحدة، لكن السياسة الدولية لا تقوم على القانون وحده، بل على اتساق المعايير، بريطانيا تقول إن سكان فوكلاند اختاروا البقاء تحت السيادة البريطانية، وتتمسك بحقهم في تقرير المصير ( الاستفتاء على الجزر الذي جرى عام 2013 كان باغلبية الاصوات لصالح بقاء الجزر تحت التاج البريطاني ) فيما الأرجنتين تقول إن بريطانيا تحتل أرضاً أرجنتينية وتستغل مواردها الطبيعية.
وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن عن اذهان الفلسطينيين والسؤال هو إذا كان حق تقرير المصير مبدأً مقدساً، فلماذا لا يطبق بالوضوح نفسه على الشعب الفلسطيني؟ وإذا كانت إسرائيل ترى أن احتلال أرض الآخرين واستغلال مواردها يصبحان موضع اعتراض عندما يتعلق الأمر ببريطانيا، فكيف تنظر إلى السؤال نفسه عندما يتعلق الامر بالأراضي الفلسطينية؟
هذه هي المساحة التي يستطيع العرب والفلسطينيون استثمارها، من دون الانحياز إلى الأرجنتين أو تحويل فوكلاند إلى قضية فلسطينية جديدة، المطلوب هو استخدام هذه المفارقة في النقاش الدولي حول ازدواجية المعايير، والتوقيت هنا مهم أيضاً، فالأزمة تأتي في لحظة وصلت فيها العلاقات البريطانية–الإسرائيلية إلى مستوى بالغ التوتر، بعدما اتخذت لندن إجراءات ضد منتجات وخدمات مرتبطة بالمستوطنات، بينما تزداد حدة الخطاب الإسرائيلي تجاه بريطانيا،
أما الارجنتين فيبدو أنها وجدت في هذا المناخ فرصة لإعادة قضية فوكلاند إلى الواجهة، خصوصاً مع تصاعد النزاع حول النفط والموارد الطبيعية، وهكذا أصبحت جزر بعيدة في جنوب الأطلسي نقطة تقاطع بين لندن وتل أبيب وبوينس آيرس، وربما واشنطن أيضاً.
لكن السؤال الأهم ليس من سيربح معركة فوكلاند؟ بل هل يستطيع الفلسطينيون أن يربحوا شيئاً منها؟
الفرصة موجودة إذا جرى التعامل معها باعتبارها نموذجاً جديداً لطرح السؤال المحوري هل القانون الدولي واحد للجميع، أم أن له نسخاً متعددة وفقاً لموازين القوة؟
ففي السياسة الدولية، ليست كل الفرص في يد من يملك القوة، أحياناً تأتي الفرصة من التناقض الذي يقع فيه الآخرون، وفوكلاند تقدم للفلسطينيين اليوم واحدة من هذه المفارقات النادرة: إسرائيل تتحدث عن ' احتلال' بريطاني، وبريطانيا تتحدث عن ' تقرير المصير' ، بينما لا يزال الفلسطينيون ينتظرون أن يصبح هذان المبدآن قاعدة واحدة لا استثناءات متعددة.
Rajatalab5@gmail.com