كتاب

ارتفع لتَرى لا لتُرى

ارتفع لتَرى لا لتُرى؛ فما كلُّ صعودٍ رفعة، ولا كلُّ علوٍّ مقامًا. قد يرتفع المرء في أعين الناس، ويبقى في ميزان نفسه واهيًا هزيلًا، وقد يعلو اسمه بين الخلق، بينما يهبط قدره في أعماقه. إن الرفعة الحقيقية ليست أن تقف في مكانٍ يراك فيه الجميع، وإنما أن تبلغ من الوعي والبصيرة ما يجعلك ترى الأشياء من موضعٍ أوسع، وتفهم الحياة من أفقٍ أبعد، وتدرك أن كثيرًا مما يتنافس الناس عليه ليس إلا سرابًا تلمع صورته من بعيد، فإذا اقتربت منه النفس وجدته خواءً لا يروي.
ارتفع، ولكن لا تجعل غايتك أن تكون فوق الناس؛ اجعل غايتك أن تكون فوق صغائر نفسك. ارتفع عن الخصومة التي لا ثمرة لها، وعن الجدل الذي لا يزيد الحق وضوحًا، وعن ملاحقة كل كلمةٍ قيلت في غيابك، وكل عينٍ لم ترضَ عنك، وكل يدٍ لم تصفق لإنجازك. فما أتعس الإنسان حين يجعل حياته رهينةً لنظرات الآخرين، يبتسم إذا مدحوه، وينكسر إذا ذموه، ويمضي في طريقه ملتفتًا إلى الخلف، كأن قيمته معلقةٌ على أفواه الناس!
إن الذي يرتفع ليُرى يبقى أسيرًا للعيون؛ يختار ثيابه ومواقفه وكلماته وفق ما يرضي الناظرين، ويحسب نجاحه بعدد من عرفوه، وإنجازه بعدد من تحدثوا عنه، ومكانته بمقدار الضجيج الذي يحيط باسمه. أما الذي يرتفع ليرى، فإنه يطلب شيئًا آخر؛ يطلب صفاء الرؤية، وسعة الأفق، ونفاذ البصيرة. يريد أن يرى نفسه قبل أن يحاكم الآخرين، ويرى خطأه قبل أن يفتش عن أخطاء غيره، ويرى الطريق قبل أن يركض فيه، ويرى حقيقة الأشياء قبل أن ينخدع ببريقها.
وما أحوج الإنسان إلى أن يصعد أحيانًا فوق ضجيج يومه، ليبصر حياته كاملة! فإننا حين نعيش داخل التفاصيل تضيق علينا الرؤية؛ يغضبنا موقف عابر، ويؤلمنا رفض مؤقت، ونحسب تأخر أمرٍ ما نهاية الطريق. لكن حين نرتفع قليلًا، تتغير الصورة. نكتشف أن ما حسبناه كارثة لم يكن إلا منعطفًا، وأن الباب الذي أُغلق في وجوهنا ربما صرفنا عن طريقٍ لم يكن لنا، وأن بعض الخسارات كانت حمايةً متخفية، وبعض التأخيرات كانت إعدادًا لما هو أجمل.
والرفعة لا تعني أن تنعزل عن الناس أو ترى نفسك أفضل منهم؛ بل تعني أن ترتفع بأخلاقك حتى لا يستفزك الجهل، وبعقلك حتى لا يقودك الغضب، وبقلبك حتى لا يحوّلك الأذى إلى نسخةٍ ممن آذاك. أن تملك القدرة على الرد ثم تختار الصمت حين يكون الصمت أكرم، وأن تستطيع الانتقام ثم تؤثر العفو حين يكون العفو أقوى، وأن ترى نقص الآخرين دون أن تنسى نقصك.
وكم من إنسانٍ ارتفع منصبه، واتسعت شهرته، وكثرت حوله الأعين، ثم عجز عن رؤية أبسط الحقائق! وكم من إنسانٍ لم يعرفه إلا القليل، لكنه كان في داخله أوسع من كثيرٍ من المشاهير مقامًا وأعمق منهم أثرًا. فليست القيمة في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الظهور، ولا في عدد الذين يعرفون اسمك؛ إنما القيمة في مقدار ما أضفت إلى الحياة، وما تركت في النفوس من خير، وما صنعته في نفسك من نبل.
فإذا أردت أن ترتفع، فلا تصعد على أكتاف الآخرين، ولا تجعل سقوط غيرك سلّمًا لصعودك. اصعد بعملك، بعلمك، بأخلاقك، بصبرك، وبقدرتك على أن تكون أفضل مما كنت عليه بالأمس. اجعل كل درجةٍ تصعدها توسع رؤيتك لا غرورك، وتزيد تواضعك لا تعاليك؛ فالشجرة كلما أثقلت أغصانها بالثمر انحنت، وكلما اتسع عقل الإنسان حقًا، أدرك كم يجهل.
ختامًا، ارتفع لتَرى أن الحياة أكبر من خصومة، وأوسع من رأي، وأبقى من تصفيق. ارتفع لترى الناس بعين الرحمة لا بعين الإدانة، وترى نفسك بعين الصدق لا بعين الوهم، وترى الطريق بعين الحكمة لا بعين العجلة. وإذا بلغت مقامًا يلتفت إليك فيه الناس، فلا تنشغل بالتفاتهم؛ انظر أنت إلى الأفق. فأجمل الارتفاع أن تصعد حتى تتسع رؤيتك، لا حتى تضيق رؤيتك للآخرين؛ وأن تبلغ مكانًا عاليًا، ثم تظل قادرًا على الانحناء لمن يحتاج يدك. ارتفع، لا لتكون أعلى من الناس، بل لتكون أعلى من نفسك القديمة. ارتفع لتَرى لا لتُرى؛ فإن من جعل عيون الناس غايته، عاش قلقًا من انصرافها، ومن جعل البصيرة غايته، امتلك نورًا لا يحتاج إلى جمهور.