حين يتحدث العالم عن مستقبل العمل، يحتل قطاع الصحة موقعاً متقدماً في قائمة المتغيرين، فوفقاً لأحدث تحليلات المنتدى الاقتصادي العالمي، يقف القطاع الصحي على أعتاب تحول غير مسبوق خلال السنوات القليلة المقبلة، فما مصير المهن الصحية الحالية؟ وأي وظائف ستولد من رحم الذكاء الاصطناعي؟ وأي وظائف ستزول وتصبح في «الباي باي»؟
يكشف تقرير «مستقبل الوظائف 2025» أن القوى الاقتصادية والتكنولوجية ستعيد تشكيل 22% من حجم الوظائف الحالي عالمياً بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 170 مليون وظيفة جديدة ستُستحدث، مقابل تراجع 92 مليون وظيفة أخرى. ويمثل قطاع الصحة أحد أكثر المجالات تأثراً بهذه الموجة، إذ تشير التقديرات إلى أن 54% من مهام العمل الحالية في هذا القطاع ستشهد تحولاً جذرياً في طريقة أدائها خلال السنوات الخمس المقبلة.
في ظل هذا المشهد، ستتراجع المهن التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة، فالأدوار الإدارية التقليدية، كأمناء السجلات الورقية وموظفي إدخال البيانات يدوياً ومساعدي المختبرات الذين تؤدي أجهزة التحليل الآلي مهامهم، ومهن أخرى على شاكلتها لا يتسع المكان لذكرها، مرشحة للانكماش أو الزوال، وإن كان التحول في الأردن قد يستغرق وقتاً أطول نظراً لطبيعة السوق المحلي. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن قطاع الصحة سيكون من بين القطاعات الأكثر اعتماداً على الأتمتة، إذ يخطط 73% من أرباب العمل في المجال الصحي لتوظيف تقنيات متقدمة لتعزيز قدرات كوادرهم البشرية، بينما يعتزم 64% منهم تسريع أتمتة المهام الروتينية والتقليدية.
غير أن التحول لا يعني الاستغناء التام عن الكوادر البشرية، بل يعيد تعريف مهاراتها، فالطبيب المعتاد على الكشف السريري المباشر سيصبح طبيباً رقمياً، مطالباً بإتقان قراءة وتحليل البيانات الضخمة، وتفسير مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي التشخيصية، وإدارة جلسات الرعاية الهجينة التي تجمع بين الزيارة الفعلية والمتابعة عن بُعد. أما الممرض فسيتحول إلى ممرض رقمي، يراقب المرضى عبر الأجهزة القابلة للارتداء ويحلل المؤشرات الحيوية عن بُعد، مقدماً تدخلات سريعة قبل تفاقم الحالات. والصيدلي سيتطور ليصبح مستشاراً دوائياً رقمياً، يستخدم قواعد البيانات الضخمة وبرامج المحاكاة لتحليل التفاعلات الدوائية وتخصيص الجرعات وفقاً للخصائص الجينية لكل مريض.
وفي هذا السياق، يرى الكثيرون من أصحاب العمل حول العالم أن فجوة المهارات تمثل العائق الأكبر أمام التحول المؤسسي، مما دفع 77% منهم إلى الإعلان عن خطط طموحة لرفع كفاءة موظفيهم وتأهيلهم للمستقبل.
لكن الأرقام الأكثر إثارة تتعلق بالوظائف التي لم تكن موجودة قبل سنوات، والتي ستشكل نواة القطاع الصحي في المستقبل، فأخصائيو المعلوماتية الصحية سيكونون مسؤولين عن السجلات الإلكترونية وأمن البيانات، في وقت يتصدر فيه الطلب على خبراء الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قائمة المهارات الأسرع نمواً، متبوعاً بمتخصصي الأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية، بل إن المهن الجديدة ستتجاوز التقنية المحضة لتشمل أدواراً إنسانية متخصصة، مثل مصممي تجارب المرضى الرقمية، وخبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا المستقبل لا يأتي تلقائياً، فغياب الأطر التشريعية الملائمة للصحة الرقمية، ومحدودية التمويل، وتركّز الخدمات في المدن، كلها عقبات حقيقية، فالاستجابة للتحديات تتطلب تحولاً استراتيجياً في سياسات التوظيف والتدريب، مع إعطاء أولوية للمهارات الإنسانية، كالتفكير النقدي، والتعاطف، والمرونة، التي تظل حجر الزاوية في أي نظام صحي إنساني، مهما تقدمت الآلات.
خلاصة الكلام، القطاع الصحي في طريقه لأن يصبح أكثر ذكاءً، وأكثر اتصالاً، وأقل اعتماداً على الروتين الورقي، وهذا يضع الأردن، بموارده البشرية المتميزة وسمعته الطبية الإقليمية، أمام فرصة تاريخية ليكون رائداً في تبني هذا النموذج الجديد، فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن الطبيب، بل هي الأداة التي تحرّره من القيود الإدارية ليمارس جوهر رسالته: الرعاية المتكاملة، والعلاج القائم على الفهم العميق، والتواصل الإنساني الذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته، بالرغم من الانكماش الشديد الذي سيصيب بعض الاختصاصات الطبية والتي أحتفظ بقائمتها لحين الطلب.
ويبقى السؤال: ماذا يخبئ عقد 2030 للعاملين في القطاع الصحي؟
يكشف تقرير «مستقبل الوظائف 2025» أن القوى الاقتصادية والتكنولوجية ستعيد تشكيل 22% من حجم الوظائف الحالي عالمياً بحلول عام 2030، أي ما يعادل نحو 170 مليون وظيفة جديدة ستُستحدث، مقابل تراجع 92 مليون وظيفة أخرى. ويمثل قطاع الصحة أحد أكثر المجالات تأثراً بهذه الموجة، إذ تشير التقديرات إلى أن 54% من مهام العمل الحالية في هذا القطاع ستشهد تحولاً جذرياً في طريقة أدائها خلال السنوات الخمس المقبلة.
في ظل هذا المشهد، ستتراجع المهن التي تعتمد على المهام المتكررة والقابلة للأتمتة، فالأدوار الإدارية التقليدية، كأمناء السجلات الورقية وموظفي إدخال البيانات يدوياً ومساعدي المختبرات الذين تؤدي أجهزة التحليل الآلي مهامهم، ومهن أخرى على شاكلتها لا يتسع المكان لذكرها، مرشحة للانكماش أو الزوال، وإن كان التحول في الأردن قد يستغرق وقتاً أطول نظراً لطبيعة السوق المحلي. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن قطاع الصحة سيكون من بين القطاعات الأكثر اعتماداً على الأتمتة، إذ يخطط 73% من أرباب العمل في المجال الصحي لتوظيف تقنيات متقدمة لتعزيز قدرات كوادرهم البشرية، بينما يعتزم 64% منهم تسريع أتمتة المهام الروتينية والتقليدية.
غير أن التحول لا يعني الاستغناء التام عن الكوادر البشرية، بل يعيد تعريف مهاراتها، فالطبيب المعتاد على الكشف السريري المباشر سيصبح طبيباً رقمياً، مطالباً بإتقان قراءة وتحليل البيانات الضخمة، وتفسير مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي التشخيصية، وإدارة جلسات الرعاية الهجينة التي تجمع بين الزيارة الفعلية والمتابعة عن بُعد. أما الممرض فسيتحول إلى ممرض رقمي، يراقب المرضى عبر الأجهزة القابلة للارتداء ويحلل المؤشرات الحيوية عن بُعد، مقدماً تدخلات سريعة قبل تفاقم الحالات. والصيدلي سيتطور ليصبح مستشاراً دوائياً رقمياً، يستخدم قواعد البيانات الضخمة وبرامج المحاكاة لتحليل التفاعلات الدوائية وتخصيص الجرعات وفقاً للخصائص الجينية لكل مريض.
وفي هذا السياق، يرى الكثيرون من أصحاب العمل حول العالم أن فجوة المهارات تمثل العائق الأكبر أمام التحول المؤسسي، مما دفع 77% منهم إلى الإعلان عن خطط طموحة لرفع كفاءة موظفيهم وتأهيلهم للمستقبل.
لكن الأرقام الأكثر إثارة تتعلق بالوظائف التي لم تكن موجودة قبل سنوات، والتي ستشكل نواة القطاع الصحي في المستقبل، فأخصائيو المعلوماتية الصحية سيكونون مسؤولين عن السجلات الإلكترونية وأمن البيانات، في وقت يتصدر فيه الطلب على خبراء الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قائمة المهارات الأسرع نمواً، متبوعاً بمتخصصي الأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية، بل إن المهن الجديدة ستتجاوز التقنية المحضة لتشمل أدواراً إنسانية متخصصة، مثل مصممي تجارب المرضى الرقمية، وخبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا المستقبل لا يأتي تلقائياً، فغياب الأطر التشريعية الملائمة للصحة الرقمية، ومحدودية التمويل، وتركّز الخدمات في المدن، كلها عقبات حقيقية، فالاستجابة للتحديات تتطلب تحولاً استراتيجياً في سياسات التوظيف والتدريب، مع إعطاء أولوية للمهارات الإنسانية، كالتفكير النقدي، والتعاطف، والمرونة، التي تظل حجر الزاوية في أي نظام صحي إنساني، مهما تقدمت الآلات.
خلاصة الكلام، القطاع الصحي في طريقه لأن يصبح أكثر ذكاءً، وأكثر اتصالاً، وأقل اعتماداً على الروتين الورقي، وهذا يضع الأردن، بموارده البشرية المتميزة وسمعته الطبية الإقليمية، أمام فرصة تاريخية ليكون رائداً في تبني هذا النموذج الجديد، فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن الطبيب، بل هي الأداة التي تحرّره من القيود الإدارية ليمارس جوهر رسالته: الرعاية المتكاملة، والعلاج القائم على الفهم العميق، والتواصل الإنساني الذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته، بالرغم من الانكماش الشديد الذي سيصيب بعض الاختصاصات الطبية والتي أحتفظ بقائمتها لحين الطلب.
ويبقى السؤال: ماذا يخبئ عقد 2030 للعاملين في القطاع الصحي؟