كيف ننسى؟ ومتى ننسى؟ ولمَ ننسى؟ نحنُ ننسى؛ ننسى أسماءً ووجوهًا وأحداثًا وأماكن وتواريخ، فهل نسيانُ كلّ من هذه يماثلُ نسيان الأُخريات؟ وما الفرقُ بين النّسيان النِّعمة والنّسيان النِّقمة؟ مع ضرورة تجاوز أغنية ميّادة الحنّاوي الشّهيرة: «نعمة النّسيان»؛ إذ خصّها كاتب الأُغنية بموضوع -على أهمّيّته- يبدو تافهًا؛ فالنسيان، لحسن الحظ أو لسوئه، أوسع من حكاية عاشقٍ مهجور. إنّه واحد من أكثر أفعال العقل مراوغةً؛ لأنّنا نشعر بالتذكّر ساعة يقع، أمّا النسيان فلا شاهد عليه وهو يحدث. لا أحد يعرف متى غادر اسمٌ كان مألوفًا ذاكرته، أو في أيّ مساءٍ بدأت ملامح وجهٍ تفقد حدَّتها الواضحة. نحن لا نشهد لحظة النسيان؛ إنما نكتشف، متأخرين، أن شيئًا كان فينا ثم لم نعد نعثر عليه.
وهذه المفارقة هي التي جعلت النسيان موضوعًا إنسانيًّا قبل أن يكون موضوعًا في علم النفس أو طبّ الأعصاب. وقد التفت التراث العربيّ إليه من جهات كثيرة: فتساءل عنه اللغويّ، وتأمّله المفسّر، وخشيه المحدّث، واتّخذه الفقيه عذرًا أو نفاه عذرًا بحسب المقام، ودرسه الطبيب في علل الدماغ، ثم جاء الأديب فجعله بابًا للحكمة والسخرية معًا. وكأنّ النسيان، منذ القديم، لم يكن خللًا واحدًا، بل عائلة كاملة من الظواهر تتشابه في الاسم وتختلف في الطبيعة.
• كيف ننسى؟
تبدأ الإجابة من اللّغة؛ لأنّ العربيّة لم تجعل الفعل «نَسِيَ» مرادفًا آليًّا لـ'فَقَدَ المعلومة». يردّ المعجميّ ابن فارس المادّة إلى أصلين: إغفال الشّيء، وتركه. ويعرّف الرّاغب الأصفهانيّ النّسيان بأنّه «تركُ الإنسانِ ضبطَ ما استُودِع». لأصل اللّفظ إذًا احتمالان: أن يُفْلِت الشّيء منّا في غفلة، أو أن نلحّ نحن على التّفلُّت منه. ولذلك ما جاء في القرآن الكريم: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) (التّوبة: 67)، من غير أن يكون الحديث عن ذاكرةٍ بالمعنى العصبيّ، إنّما عن تركٍ وإعراضٍ وجَزاء على وجه المجاز. وفيه ما هو أشدّ وأعمق: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (الحشر: 19). وقديمًا قرأنا بدهشة للدّكاترة زكي مبارك (كان شاعرًا أصيلًا):
تَنَاسَيْتُكُمْ عَمْدًا كَأَنِّي سلَوتُكمْ... وبَعضُ التَّناسي العَمْدِ مِن صُورِ الوُدِّ
ومن هنا أيضًا ميّز علماء اللّغة والمنطق بين النِّسيان والسَّهو والغَفْلة. فالسَّهو قد يكون غيابًا عابرًا لشيء ما يزال قريبًا من الذّهن، أمّا الغفلة، فهي انصرافٌ نفسيّ وذهنيّ عنه، وأمّا النسيان، فيفترض قيام علمٍ سابقٍ لم يعد حاضرًا عند طلبه بالتّذكُّر. ولعلّ أبسط صورة للسّهو أن يبحث المرء عن قلمه وهو في يده؛ ومن صور النسيان المزعجة أن يقول: «هذا الاسم أنا أعرفه جيدًا»، ثم يقف الاسم على طرف لسانه كضيفٍ ثقيل يتأبّى الدّخول.
وتكشف المصادر العربيّة الكلاسيكيّة أن القدماء أدركوا، بالملاحظة، أنّ الذّاكرة لا تحفظ ما لا يُستعمَل. قال الزُّهريّ: «إنّما يُذهبُ العلمَ النّسيانُ وتركُ المذاكرة»، وقيل: «غائلةُ العلمِ النّسيانُ، وحياتُه المذاكَرة». والمعنى، بلغة أقرب إلى علم الذّاكرة الحديث، أنّ الأثر الذّهنيّ يضعفُ إذا انقطعت عنه الاستعادة. ولذلك كانت المذاكرةُ والتّكرارُ والكتابةُ وسائلَ لاكتساب العِلم، ووسائلَ أيضًا لإبقائِه حيًّا. ولذلك أيضًا ما كان استعمال الأشياء يحفظُها ويُديمُها، على غير ما يتصوّر النّاس من أنّ كثرة الاستعمال تؤدّي إلى الدُّثُور. المهمّ للمحافظة على الأشياء طريقةُ استعمالها، لا قلّته.
ولهذا كتب الخطيب البغداديّ في (تقييد العلم) عن الكتاب بوصفه مُستودَعًا يحرس المعرفة مما يَعرِض للقلب من النّسيان. والكتابةُ، بهذا المعنى، اختراعٌ ضدّ هشاشة الإِنسان؛ ذاكرةٌ نثبّتُها خارج الذّاكرة. وهو في ذلك يمتدّ بالحديث النّبويّ الشّريف: «قيِّدُوا العِلمَ بالكِتَاب» (مسند الشّهاب القُضاعيّ: 637) (الكِتَاب هنا: الكِتَابَة (مصدر]). غير أنّ الإنسان أبدع حلًّا جديدًا للمشكلة في عصرنا: يكتب كلّ شيء في هاتفه، أو حاسوبه، ثمّ ينسى كلمة المرور.
• متى ننسى؟
ليس للنّسيان وقتٌ واحد محدّد معروف، ولا قانونٌ يمكنُ به اكتشاف الزّمن الذي ننسى فيه. ننسى إذا قلّ التّكرار، وإذا تزاحمت المعلومات، وإذا غاب السّياق الذي استُودعت فيه الذِّكرى، وإذا تقدّم بنا العمر فاكتهلنا، وأحيانًا إذا اشتدّ الانفعال نفسه. وقد فرّق الأطباء العرب بين درجات اختلال الذّاكرة؛ فعليّ بن العباس المجوسيّ (ت: 994مـ) في كتابه المعروف بـ(المَلكيّ): (كامل الصناعة الطبية) يميّز بين عدم الذِّكر، والنّسيان، ورداءة الذِّكر؛ وهي محاولة مبكّرة لفصل صُور متعدّدة ممّا نسمّيه اليوم اضطرابات الذّاكرة.
لكنّ الخبرة اليومية تَعصَى أحيانًا على التّقسيمات. فقد ينسى المرء ماذا تناول صباحًا، ثم يحفظ رائحة بيت جدّته بعد أربعين سنة. ويتذكر كلمةً جرحتْه في طفولته من معلّم، ولا يتذكر أين وضع مفتاح السّيارة قبل خمس دقائق؛ ذلك لأنّ الذّاكرة لا تحفظ الأشياء بربْطِها بالزّمن وحده، إنّما للأثر الّذي تتركُه في النّفس علاقةٌ وثيقة بالذِّكرى أو النّسيان. الحوادث لا تَلِج الذّاكرة منفصلة عن آثارها النّفسيّة، ولهذا فهي غير متساوية؛ بعضها يلج الذّاكرة عابرًا، وبعضُها يرسَخُ فيها مكتنفًا معه النّار والرّائحة والصّوت، فيحتلّ من النّفس ما لا تحتلّه معلومة بارِدة.
وهذا يفسّر لماذا لا يماثل نسيان الأسماء نسيان الوجوه، ولا نسيان التواريخ نسيان الأماكن. الاسم علامة لغويّة مجرّدة، وقد يسهل انفصالُها عن صاحبها؛ والوجهُ صورة غنيّة بالتّفاصيل والانفعال. والتّاريخ رَقْم، أمّا المكانُ فشبكةٌ من الحواسّ: ضوء مصباح يطلّ من نافذة، ورائحة قهوة، أو برودة إحساس، وصرير باب، وانحناءة لالتقاط ورقة شجرة صفراء والتّأمّل فيها. نحن لا نسكن إحداثيات الزّمان والمكان حسبُ؛ نحنُ نسكن ما التصق بها من حياة، ولهذا يسكنُ هو فينا. ولذلك قد يضيع عنوان البيت واسم الشّارع ورقمه واسم الحيّ الصّغير، لكنْ يبقى البيت كلّه بتفاصيله وحناياه وخفاياه وزواياه ماثلًا لا يغيب.
ولعلّ التّفكير بمسألة التّراكم والإزاحة والحُلول، والتّخلّي والتّحلّي ثمّ التّجلّي عند الصُّوفيّة، يعين على تحديد وقتٍ ما للنّسيان، دون القدرة على ضبط المسألة ضبطًا قياسيًّا. يحسّ مستخدم الحاسوب عند اقتراب الذّاكرة المُتاحة للتّخزين من الامتلاء ببطء شديد في عمليّاته، ولا بدّ له في تلك الحالة من إجراء: إمّا بزيادة الذّاكرة، وإمّا بحذف/ إزاحة جزء منها قليلٍ أو كثيرٍ وفقَ ما يراه مناسبًا ويحتاجُه. لا بدّ من التّخلّي ليكون التّحلّي، ثمّ يتبعُ ذلك التّجلّي، وإلّا فالموضعُ لا يمكنُ أن يستوعب حيّزُه الكامل شيئا يملأ جنباته كلّها، ثمّ يستوعبُ معه غيرَه في آنٍ معًا؛ هذا أمرٌ تأباهُ الطّبيعة أصلًا، وهو في الحاسوب والإنسان كذلك.
• لِمَ ننسى؟
هنا ينقلب السّؤال من الطّبّ إلى الفلسفة. لماذا نفترض أنّ الذّاكرة الكاملة فضيلةٌ مُطلَقة؟ ماذا لو كان النِّسيان شرطًا من شُروط سلامة النّفس؟ هنا تأتي عبارةُ ابن القَيِّم المدهشةُ عن الإنسانِ: «ومِن أَعْجَبِ النِّعَم عليه نِعمَةُ النِّسيَان». ثمّ يشرح العبارة بأنّ الإنسان لولا النِّسيانُ لما سلَا عن مُصيبة، ولا هدأ له حُزن، ولا خَفّ حِقْد. فالنِّسيان عنده أكبر من مجرّد تلاشي شيء من الذّاكرة، أو عجز عن حفظِه؛ إنّه جِهازُ رحمةٍ داخليّ.
ولعلّ هذه الفكرة أعمق من أن تُقرأ بصفتها وعظًا وإرشادًا، وابن القيّم مشهور بهذا. الزَّمن وحده لا يشفي؛ الّذي يشفي هو أن تتغيّر طريقة حُضور الماضي فينا. نحن لا ننسى موتانا الأحبّة بمعنى أن يُمحَوا تمامًا من الذّاكرة، لكنّنا ننسى شيئًا من حدّة الموت وأحزانه وثقل مشهديّته. لا ننسى الجرح، لكن تخبُو حرارته. والذّاكرة الحكيمة غير معنيّة بإلغاء الوقائع وطمسِها قبل مسحِها، وإنما تنقلها من الحاضر المؤلم إلى الماضي القابل للتّحمّل والمُعايَشة. وهنا يصبح النّسيان ضربًا من إعادة ترتيب العالم الدّاخليّ للذّات.
ولو عاشت في النّفس كلّ لحظة بالقوّة نفسها الّتي وقعت بها، لحالَتِ الذّاكرة سجنًا مكتظًّا يزدحُم بالأحمال. كم حزنًا يستطيع إنسان أن يحمله بكامل حرارته؟ وكم إهانة؟ وكم فشلًا؟ إنّ القدرة على الاستمرار تحتاج إلى قدر من التّخلّي والإزاحة؛ أن تبقى الصُّورة، مع أن تخفت ألوانُها قليلًا. ولولا هذا التّخلّي لما كان في القلب مكان لفرح جديد. كان أبو إسحاق إبراهيم الغزّيّ قال في سياق قريب من هذا:
ما مَضَى فَاتَ، والمُؤَمَّلُ غَيْبٌ/ وَلكَ السّاعَةُ الّتي أنتَ فِيهَا.
• هل كلّ نسيان سواء؟
هنا أيضًا ينجلي تراث العرب عن دِقّة في التّمييز بين: أن تنسى الشَّيء، وأن تتناساه عن عمدٍ وسابق قصد. في قوله تعالى على لسان مُوسى: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) (الكهف: 73) نُواجِه النّسيان البشريّ الذي يطلُب صاحبه العُذرَ. وفي قوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) (التّوبة: 67) نُواجه نسيانًا أخلاقيًّا هو الإِعراضُ المقصُود.
قد يكون النّسيان بريئًا خارجًا عن قدرة الإنسان ورغبته، وقد يكون ذنبًا متنكّرًا في ثوب نِسيَان. أن تنسى موعدَ صديق شيءٌ، وأن تنسى حقَّه شيءٌ آخر. أن تنسى اسم فقير قابلتَه مرّة شيءٌ، وأن تنسى وجود الفقر والفقراء وحقوقهم من تصوّرك للعالم شيءٌ آخر. ومن هنا كان التَّناسي أشدّ إثارة للرِّيبة؛ لأنّه فعل إراديٌّ يرتدي هيئة العَجز. وقد قيل: «التّناسي شرٌّ من النِّسيان'؛ فالأول يدلٌّ على خلل في الوفاء، والثّاني لا يدلّ بالضّرورة إلّا على خلل في الذّاكرة.
بل إنّ الذّاكرة الأخلاقيّة تقوم على انتقاء معكُوس لانتقاء الرّاحة: ينبغي أن ننسى الإساءة أحيانًا؛ لكي نستطيع العيش مع النّاس، لكن ينبغي ألّا ننسى الجَميل؛ لكي نظل بشرًا. ينبغي أن نتجاوز ألم التّاريخ ومآسيه، ولكن لا يجوز أن نَمْحُوَ درسَه ونُسقِطَ عليه ما في حاضرنا. والحضاراتُ، مثل الأفراد، تمرضُ من نوعين متقابلين: ذاكرةٍ لا تغفِرُ شيئًا من التّفاصيل، ونِسيانٍ يمسحُ كلّ التّفاصيل حتّى لتَبدُو الأحداث باهتةً شاحبةً كلّها صنوٌ واحدٌ كوجوه الموتى.
• بين النِّعمة والنِّقمة
هنا يمكن الإجابة عن السّؤال الأخير: متى يكون النّسيان نِعمة، ومتى يصبح نِقمة؟ يكون نعمةً حين يخفِّف من محمولات الوعي دونَ أن يمحو المعنى؛ حين يسمح للحُزن بأن يهدأ، وللجُرح بأن يصير خِبرة، وللإنسان بأن يفتح نافذة جديدةً في غرفة تكدّس فيها الماضي. ويكون نِقمة حين يمحُو الحاجة إلى الدّرس والعِبرة، ويَهدِم العهد والميثاق، ويختزل الامتنان في بسمةٍ أو «شُكرًا»، وحين يجعل الإنسان أو الجماعة يكرّران الخطأ نفسه؛ لأن الذاكرة لم تختزن الأثمان الجسيمةَ الّتي دُفعت سابقًا.
لهذا يبدو الموقف العربيّ الكلاسيكيّ من النِّسيان أكثر توازنًا مما نظنّ، وأكثر اتّزانًا منه في حاضرنا. العلماء قاومُوه بالدّرس والمذاكرة والكتابة؛ لأنّ العلم لا يعيش إن لم يُستدعَ ويُتَداوَل. والأطبّاء رصدوه بوصفه ضعفًا أو عرَضًا. والفقهاء راعَوْه في أحكامِهم؛ لأنه من طبيعة الإنسان. أمّا الحكماء، فنظروا إلى وجهه الآخر: أنّ بعض النّسيان ضرورةٌ لاستمرار الحياة. وهكذا يكون من الخطأ السؤال: كيف نتخلّص من النّسيان؟ وصوابُه: ماذا يحسُن بنا أن ننسى، وماذا ينبغي لنا أن نُقاوم نِسيانه؟
ولربّما كانت الحكمة كلُّها في هذا الاختيار؛ فالإنسان ليس سِجلًّا تبقى صفحاته كلّها مفتوحة في الوقت نفسه. إنّه كائن يعيش بما يحفظ، وبما ينسى أيضًا. يحفظ اسم أمّه، وأوّل أرضٍ مسّ جلدَه تُرابُها، وصوت من أحبّ، وما تعلّمه من خساراته؛ وينسى ما يكفي من الألم؛ كي يتمكّن من النّهوض صباحًا من فِراشِه ويُصدّق، ولو قليلًا، أنّ يومًا جديدًا قد حلّ، وهو يستحقّ أن يُبدَأ.
عندئذ فقط نستطيع أن نُعيد إلى عبارة «نِعمة النّسيان» معناها الإيجابيّ الجميل، بعيدًا قليلًا عن الحبيب الذي هجَّرَتْه الأغنية ولم تَهْجُره الذّاكرة؛ فالنِّعمة ليست أن ننسى مَن رحل حسبُ، إنّما أن تعرف الذّاكرة كيف تستبقي من الماضي معنَاه، وتتركُ له بعض وَجَعِه. أمّا النّقمة، فهي أن ننسى المعنى ونحتفظَ بالوجَع، أو أن نمحوَ الاثنين، فنقع في الخطأ نفسه كما لو أنّنا لم نَعِش من قبل.