الرأي الثقافي

النقد أمام أسئلته المؤجلة.. ما الذي بقي بلا جواب في الأدب؟

ربما كانت أهم وظيفة للنقد ليست أن يقدم الأجوبة، بل أن يعرف أي الأسئلة ينبغي أن تُطرح. فالنقد لا يبدأ من الجواب، بل من جودة السؤال؛ والناقد ليس قاضيًا يصدر حكمًا أخيرًا على النص، ولا مترجمًا لنية المؤلف، كما أن الشاعر أو الروائي لا يمتلك بالضرورة الكلمة النهائية في معنى ما كتب. النص، ما إن يدخل العالم، يصبح طرفًا في علاقة أكثر تعقيدًا تجمع صاحبه ولغته وقارئه وزمنه، وقد تظل بعض الأعمال حية تحديدًا لأنها لا تستنفد إمكاناتها في قراءة واحدة، ولا تجيب عن نفسها إجابة نهائية.

لكن ما الأسئلة التي ينبغي للنقد أن يعيد طرحها اليوم؟ ما الذي يجعل نصًا أدبًا؟ وما الذي يجعل عملًا أفضل من آخر؟ وهل يمكن الدفاع عن معيار للجمال، أم أن الذائقة تتبدل بتبدل الأزمنة والثقافات؟ من يملك معنى النص؟ وأين تنتهي حرية التأويل؟ ماذا يبقى من مفهوم الشعر إذا غاب الوزن؟ وكيف يمكن للأدب أن يكون سياسيًا من دون أن يتحول إلى خطاب سياسي؟ ومن يقرر ما يدخل ذاكرة الأدب العالمي وما يبقى خارجها؟ ثم ماذا يحدث لهذه الأسئلة كلها حين يتغير القارئ نفسه، وتصبح القراءة رقمية، وتدخل الخوارزمية والذكاء الاصطناعي إلى المسافة بين الكاتب والنص والمتلقي؟

هذه ليست أسئلة تخص أدبًا بعينه. إنها تمتد في تاريخ النقد الإنساني كله، وإن اختلفت صيغها من ثقافة إلى أخرى. والأدب العربي ليس متلقيًا متأخرًا لهذه الأسئلة، بل جزء من التجربة الأدبية الإنسانية؛ فقد عرف تراثه مبكرًا أسئلة اللفظ والمعنى، والطبع والصنعة، والقديم والمحدث، ثم شهد العصر الحديث تحولات الشعر والسرد والترجمة واستقبال المناهج النقدية الجديدة.

ومن أكثر القضايا استعصاءً سؤال القيمة الأدبية. فنحن لا نتوقف عن استخدام أحكام مثل (قصيدة عظيمة) أو (رواية مهمة) أو (عمل ضعيف)، لكن الصعوبة تبدأ حين نسأل: بأي معيار؟ هل تصنع القيمة اللغة؟ الابتكار؟ التأثير؟ البقاء عبر الزمن؟ العمق الفكري؟ أم أن القيمة تنشأ من تفاعل هذه العناصر، ولا يمكن ردها إلى واحد منها؟

أنطوان كومبانيون أعاد وضع (القيمة) إلى جانب المؤلف والقارئ والتاريخ والأسلوب، بوصفها من المسائل التي لا تستطيع النظرية الأدبية التخلص منها نهائيًا؛ فحتى بعد الشك في إمكان وجود أحكام مطلقة، نظل نفاضل بين الأعمال ونميز بينها.

ومن القيمة نصل إلى الكانون الأدبي، تلك الذاكرة التي تحتفظ بأعمال وتترك أخرى خارج الضوء. لماذا بقي هوميروس ودانتي وشكسبير، ولماذا بقي المتنبي وأبو تمام وأبو العلاء؟ وهل البقاء دليل على القيمة الفنية وحدها، أم تشترك فيه المدرسة والجامعة والترجمة والنشر والمؤسسات الثقافية وتحولات الذائقة؟

السؤال لا يُراد منه هدم الذاكرة الأدبية، وإنما فهم الطريقة التي تتكون بها. وهو يقود إلى سؤال (الأدب العالمي) نفسه: من الذي يقرر أن عملًا خرج من لغة محلية أصبح جزءًا من التراث الإنساني المشترك؟

هنا تظهر الترجمة باعتبارها أكثر من مجرد نقل للكلمات. فكيف تنتقل موسيقى قصيدة عربية إلى لغة لا تملك نظامها الإيقاعي؟ وماذا يحدث للتورية أو الجناس أو الإشارة الدينية والتاريخية عندما يغيب السياق الذي يمنحها كثافتها؟ وفي الاتجاه الآخر، لم تصل أعمال بودلير وإليوت ونيرودا إلى الشعر العربي كما هي في لغاتها الأصلية؛ لقد دخلت من باب الترجمة، وأسهم هذا العبور نفسه في تشكيل أذواق وتجارب شعرية جديدة. وهكذا تصبح الترجمة طريقًا إلى العالمية، لكنها في الوقت نفسه إعادة خلق للعمل داخل لغة أخرى.

ثم نصل إلى واحدة من أعقد مشكلات النقد: حدود التأويل. لم يعد من السهل القول إن لكل نص معنى واحدًا ينتظر الناقد لكي يكتشفه، لكن الاعتراف بتعدد المعاني لا يعني أن كل قراءة تصبح صحيحة لمجرد إمكان صياغتها.

أمبرتو إيكو قاوم فكرة الانفلات غير المحدود للتأويل؛ فالقراءة تحتاج إلى قرائن تتساند، وإلى تفسير يستطيع إقامة علاقة مقنعة بين عناصر النص، وإلا أصبح في الإمكان جعل أي علامة دليلًا على أي معنى نريده.

وهذا السؤال شديد الصلة بالشعر والرواية العربية. يمكن قراءة (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح من أبواب الاستعمار والهوية والجسد والشرق والغرب، ويمكن لقصيدة حديثة أن تُقرأ سياسيًا أو فلسفيًا أو أسطوريًا. لكن يبقى السؤال ضروريًا: هل تقود بنية النص فعلًا إلى هذه القراءة، أم أصبح النص مناسبة يستخدمها الناقد لعرض النظرية التي جاء بها مسبقًا؟

ومن هنا تبرز مشكلة المنهج النقدي. فقد مر النقد الحديث بالبنيوية والتفكيك والسيميائيات والتحليل النفسي ونظريات التلقي والنقد الثقافي وما بعد الاستعمار وغيرها. وقد فتحت هذه المناهج أبوابًا مهمة في قراءة الأدب، لكن الخطر يبدأ حين تصبح الأداة أهم من العمل الذي جاءت لفهمه. وفي الثقافة العربية اكتسب السؤال بعدًا إضافيًا بسبب انتقال النظريات من بيئات معرفية ولغوية مختلفة. وليس المطلوب اليوم إقامة جدار بين (نظرية غربية) و(خصوصية عربية)، فالآداب والأفكار تسافر دائمًا. الأهم هو: ماذا نفعل بالنظرية عندما تصل إلينا؟

إدوارد سعيد نفسه تحدث عن (سفر النظريات) وعن تغيرها كلما انتقلت بين البيئات والسياقات، رافضًا التعامل معها كسلطة ثابتة لا تُمس. وقد رصد صبري حافظ كيف تحول هذا السؤال في النقد العربي إلى محاولة لتجاوز محاكاة النظريات أو تطبيق مقولاتها آليًا على النصوص العربية.

لكن الأدب لا يعيش في اللغة وحدها؛ إنه يعيش أيضًا في التاريخ. وهنا تعود قضية السياسة والأيديولوجيا والسلطة. من الصعب قراءة الرواية العالمية بمعزل عن الاستعمار والحروب والهجرة والطبقات، كما يصعب قراءة مساحة واسعة من الأدب العربي بعيدًا عن فلسطين والمنفى والمدينة وتحولات الدولة والمجتمع.

غير أن الاعتراف بهذه الصلة لا يعني تحويل الأدب إلى وثيقة سياسية. فقيمة قصيدة محمود درويش لا تأتي من أهمية القضية الفلسطينية وحدها، بل من الطريقة التي يتحول بها التاريخ إلى إيقاع وصورة ولغة وتجربة إنسانية. وقد يحمل عمل أدبي موقفًا أخلاقيًا نبيلًا ولا ينجح فنيًا، كما يمكن لعمل شديد القوة الجمالية أن يحمل أفكارًا قابلة للخلاف.

من هنا يظهر السؤال المتصل بالعلاقة بين الجمال الفني والقيمة الفكرية: هل وظيفة الأدب أن يقول الفكرة الصحيحة، أم أن قيمته تتعلق أيضًا بالطريقة التي يجعل بها اللغة قادرة على إنتاج تجربة لا يمكن اختزالها في الفكرة؟

ريتا فلسكي انتقدت هيمنة نمط من القراءة يقوم أساسًا على الشك وكشف ما يخفيه النص من سلطة أو أيديولوجيا، لا لأنها ترفض هذه القراءات، بل لأنها ترى أن الأدب لا ينبغي أن يُختزل فيها؛ فهناك أيضًا سؤال: ما الذي يخلقه العمل في القارئ، وكيف يدخل النص إلى التجربة الإنسانية والحياة اليومية؟

ويفتح ذلك بابًا آخر هو حدود الأجناس الأدبية، وتظهر هذه القضية عربيًا بصورة واضحة في قصيدة النثر. فإذا لم يعد الوزن شرطًا وحيدًا للشعر، فما الذي يجعل النص شعرًا؟ الصورة؟ الإيقاع الداخلي؟ التكثيف؟ الانزياح؟ العلاقة الخاصة التي تقيمها اللغة مع العالم؟

تجربة محمد الماغوط، مثلًا، أثبتت أن الشعرية يمكن أن توجد خارج الوزن التقليدي، لكن الاعتراف بذلك لا يجعل كل نثر مقطع إلى أسطر قصيدة. ولهذا لم تنته قضية قصيدة النثر بانتصار وجودها، بل انتقلت إلى سؤال أصعب: ما معيار الشعرية نفسها؟

والحدود تضطرب في السرد أيضًا. بعض قصص زكريا تامر تقترب من الحكاية والرمز والمشهد الشعري، والرواية الحديثة تستطيع أن تستوعب التاريخ والسيرة والوثيقة والفلسفة. وفي الأدب العربي المعاصر نجد، عند رجاء عالم ومحمد حسن علوان كما في تجارب عربية وعالمية كثيرة، أشكالًا روائية تختبر باستمرار حدود النوع. وكلما ازدادت حرية الكاتب في كسر الأجناس، ازدادت حاجة النقد إلى أدوات قادرة على فهم العمل من دون إعادته بالقوة إلى قوالب قديمة.

ثم يبقى السؤال الذي يحيط بهذه القضايا كلها اليوم: لمن يكتب النقد؟

لقد تغيرت بيئة القراءة. لا يعني ذلك أن القارئ اختفى، وإنما أن الأدب أصبح ينافس على انتباهه في فضاء مكتظ بالأخبار والمقاطع والصور والتنبيهات والملخصات. وليس القارئ الأكاديمي الذي يحتاج الدراسة المتخصصة هو القارئ الثقافي العام نفسه.

وهنا تواجه اللغة النقدية اختبارًا حقيقيًا: كيف تحتفظ بالدقة من دون أن تصبح مغلقة؟ وكيف تكون عميقة من دون أن تتحول إلى استعراض للمصطلحات؟ فإذا احتاج القارئ إلى شرح المقال النقدي قبل أن يساعده المقال على فهم القصيدة أو الرواية، فهناك مشكلة في الوساطة بين النقد والأدب.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع القراءة الرقمية والحاسوبية. الناقد الذي كان يقرأ نصًا قراءة دقيقة أصبح يعيش إلى جانب أدوات تستطيع التعامل مع آلاف النصوص، ورصد أنماط وتغيرات قد لا يستطيع فرد واحد ملاحظتها. لكن القدرة على إحصاء الكلمات والأنماط لا تعني بالضرورة القدرة على إدراك المفارقة أو الجمال أو الصمت أو أثر الجملة في قارئ بعينه. ولذلك لا يبدو السؤال: من سينتصر، الإنسان أم الحاسوب؟ بل: كيف يمكن أن تتجاور القراءة القريبة مع إمكانات القراءة الرقمية؟

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليعيد كثيرًا من الأسئلة القديمة في صورة جديدة. فإذا حدث في يوم ما ان استطاعت آلة أن تنتج قصيدة أو قصة، فكيف نعيد تعريف الأصالة؟ وإذا أمكن للنص أن يولد من دون تجربة إنسانية مباشرة، فهل نحاكمه بما على الصفحة فقط أم بمصدره أيضًا؟ وإذا أصبحت الخوارزمية تقترح الكتاب، وتلخصه، وتشرحه، وتترجمه، فمن الذي يتوسط مستقبلًا بين الأدب والقارئ؟

لم تُلغِ التكنولوجيا أسئلة النقد؛ لقد أعادت بعضها إلى نقطة البداية.

وربما لهذا لا تكون مهمة النقد أن يقدم أجوبة نهائية عن كل هذه القضايا. فبعض الأسئلة الأدبية لا يبقى حيًا إلا لأنه يحتمل أكثر من جواب. لكن هناك فرقًا بين سؤال مفتوح وسؤال منسي.

ما يحتاجه النقد اليوم هو أن يعيد هذه المسائل إلى الحوار الثقافي: القيمة والجمال، والكانون والعالمية، والتأويل والترجمة، والسياسة والجمال، وحدود الشعر والسرد، ووظيفة المنهج، وموقع القارئ، والتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

والأدب العربي ليس هامشًا في هذا الحوار؛ إنه جزء من الإرث الإنساني الذي ولّد بدوره أسئلة نقدية كبرى، ويملك من تاريخه اللغوي والشعري والسردي ما يجعله قادرًا على المشاركة في صياغة الأسئلة، لا أن يكون مجرد ميدان لتطبيق إجابات صيغت في مكان آخر.

فإذا كانت للأديب مهمة ابتكار العالم باللغة، فإن من مهام الناقد أن يبقي السؤال مفتوحًا حول هذا العالم. وحين يتوقف النقد عن السؤال، لا يكون قد وجد الحقيقة بالضرورة؛ ربما يكون قد اعتاد الإجابات فقط.