الرأي الثقافي

قراءة في لوحة للتشكيلية خلود الواكد

تُشيّد الفنانة خلود الواكد في هذا العمل معماراً سريالياً مكثفاً، يتجاوز المحاكاة البصرية الصامتة إلى الحفر الفلسفي في الذاكرة والوعي، عبر اشتغال بصري يجمع بين الواقعية ومنطق اللاوعي، ويُلغي محاكاة الواقع التقليدية، بتجاوز الفوتوغرافية؛ فلم يعد العمل الفني يمثل الواقع (تمثيل الشيبه)، وإنما يفكّك تفاصيله.

حوّلت الفنانة أداة الرؤية نفسها إلى أصل وجودي متجذر، من خلال اعتمادها على تشكيل بصري يقوم على الواقعية الفائقة (Hyperrealism) في رسم المفردات، مع إخضاعها لـمنطق اللاوعي؛ وهو المحور الأساسي الذي قامت عليه المدرسة السريالية، كما عند أعلام الفن السريالي في القرن العشرين.

ففي البنية التشكيلية والانزياح المفهومي؛ تتخلق اللوحة من مركزية هيمنية تتوسط الكادر (مساحة الوحدة في سطح اللوحة تنظم توجيه النظر وتوزيع الأبعاد)، حيث تعيد الفنانة تشريح الجسد من خلال تحويل العين الإنسانية إلى شجرة عارية تنبت من جذع خافق في أسفل المشهد.

في محاولة لصهر الدلالة؛ حوّلت الفنانة الرموش والجفون إلى أغصان متشابكة وجافة، مما يجرد العين من وظيفتها كأداة لالتقاط العالم، ويجعلها مساحة وعي ذاتي قاسية.

إن الشجرة المتجسدة في عين ليست إلا تعبيراً عن الرؤية بوصفها نمواً وتجذراً في العتمة، بينما يشي جفاف الأغصان بزمن متيبس يتجرد من الأوراق، وتنغرس الأرجوحة الخشبية في عمق السواد الداخلي للبؤبؤ، لتشكل نقطة الارتكاز الأشد إيلاماً. إذ تعكس الأرجوحة الحركة البندولية للذاكرة بين الاتصال والانفصال، غير أن خلوها الحاد يمثل فكرة «الغائب الحاضر»؛ حيث يتحول الغائب إلى الساكن الوحيد في مركز البصر.

ويحمل البالون الأحمر بهجة الطفولة، إلا أن خيطه المربوط بأسفل الغصن اليابس يحوله إلى قلق وجودي؛ إنه المحاولة المستميتة للإمساك بالحلم قبل تلاشيه، والصراع الأبدي بين مقاومة ثقل الجذع المقيد بالأرض ورغبة التحليق في المطلق.

أما عن البنية اللونية في اللوحة؛ فأقامتها على تضاد مدروس بين خلفية الأزرق السماوي المترامي وسحبها الهادئة، وبين تكثيف البني والعسلي داخل الحدقة. فيما يتدخل البالون الأحمر المفرد في أعلى اليمين كبقعة حارة تكسر رتابة المساحة الشاحبة وتحدث انزياحاً في إيقاع اللوحة، فنقلت الفنانة الواقع عبر هذا التشكيل من حيز المادية إلى الصياغة المجازية.

وعليه؛ تفلح خلود الواكد في بناء نص بصري يقلب معادلة النظر؛ فالعين تمارس الرؤية المرتدة إلى الداخل. فوضعت المشهد كاملاً بين حنين الذاكرة المنسية وجفاف الواقع المعاش، صائغةً بذلك تجربة تشكيلية توازن ببراعة بين المحاكاة الدقيقة للمفردات وإعادة بناء دلالاتها النفسية.