من هذا المنطلق، يمكن قراءة الرسالة الملكية التي رافقت تسلّم جلالة الملك عبد الله الثاني التقرير السنوي لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد لعام 2025. فالتأكيد على مواصلة بناء ثقة المواطنين بالمؤسسات الوطنية يضع النزاهة في إطارها الأوسع؛ فهي ليست شأناً رقابياً فحسب، بل قضية دولة وثقة ومستقبل.
وقد حققت الهيئة خلال العام الماضي نتائج لافتة، تمثلت في استرداد أو المساهمة في استرداد أو منع هدر نحو 79 مليون دينار، إلى جانب إحالة 298 ملفاً تحقيقياً إلى الادعاء العام. وهي أرقام تعكس جهداً مؤسسياً مهماً في حماية المال العام ومواجهة التجاوزات، غير أن ارتفاع عدد القضايا لا ينبغي أن يكون المؤشر الوحيد لنجاح منظومة النزاهة.
فالمؤشر الأكثر أهمية هو عدد القضايا التي جرى منعها قبل وقوعها، والثغرات التي أُغلقت قبل استغلالها، والإجراءات التي أُعيد تصميمها لتقليص فرص الواسطة والمحسوبية، والقرارات التي أصبحت رقمية وشفافة بحيث لا تخضع للتغيير خلف الأبواب المغلقة.
إن المطلوب هو الانتقال من إدارة تكتشف الفساد إلى إدارة ذكية تمنع فرص حدوثه. فالفساد لا ينشأ دائماً عن نية إجرامية مباشرة؛ إذ قد تنتجه البيروقراطية المعقدة، وتداخل الصلاحيات، وغياب وضوح المسؤولية، وضعف الرقابة الداخلية، وتكرار الاستثناءات، وتضارب المصالح غير المعلن، والقرارات التي تفتقر إلى معايير واضحة.
وعليه، ينبغي أن يشكل إطلاق الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد 2026–2030 بداية مرحلة جديدة، عنوانها إعادة بناء البيئة الإدارية بحيث تصبح النزاهة ممارسة مؤسسية يومية. فمسؤولية الوقاية لا تقع على الهيئة وحدها، بل تبدأ من داخل كل مؤسسة، عبر وضوح الصلاحيات، وشفافية المشتريات، وعدالة التعيين والترقية، وفعالية الرقابة الداخلية، وتمكين المواطن من معرفة كيفية اتخاذ القرار وأسبابه.
كما ينبغي إدماج النزاهة في تقييم أداء القيادات والمؤسسات، بحيث لا يُقاس النجاح بالنتائج فقط، بل بالطريقة التي تحققت بها: هل كانت القرارات عادلة وشفافة؟ هل حُميت الموارد؟ وهل ضُبط تضارب المصالح؟
وترتبط النزاهة مباشرة بجاذبية الاستثمار؛ فالمستثمر الجاد يحتاج إلى بيئة يمكن التنبؤ بقراراتها، وتُطبق فيها القواعد بعدالة، وتُضمن فيها تكافؤ الفرص. لذلك، فإن النزاهة ليست عبئاً على الاقتصاد، بل استثمار فيه.
ويبقى التحدي أن تتحول الاستراتيجية الجديدة إلى إجراءات قابلة للقياس والمساءلة، من خلال تقليص الإجراءات عالية المخاطر، وتوسيع الخدمات المؤتمتة، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتسريع الاستجابة للشكاوى، وحماية المبلغين.