صدرت الإرادة الملكية السامية قبل أيام بالموافقة على النظام المعدل لنظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام لسنة 2026، الذي تضمن جملة من التعديلات الجوهرية على الأحكام الناظمة لشؤون الموظفين، من أبرزها تلك المتعلقة بالإجازة دون راتب من حيث شروط الحصول عليها ومددها الزمنية.
وبصرف النظر عن طبيعة هذه التعديلات واختلافها الجوهري عن التعديلات السابقة، فإنها تثير مسألة قانونية تتجاوز مضمونها المباشر، لتتعلق بمدى استقرار القواعد التي تحكم الوظيفة العامة في الأردن والمراكز القانونية للموظفين. فتنظيم شؤون الوظيفة العامة قد أسنده المشرع الدستوري إلى أنظمة مستقلة يصدرها مجلس الوزراء استنادا إلى المادة (120) من الدستور، التي تنص على أن تشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها وأسماءها ومنهاج إدارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك.
ويجد هذا النهج الدستوري ما يبرره في الطبيعة المتغيرة للوظيفة العامة، وحاجة الإدارة إلى المرونة في تنظيم الجهاز الحكومي وموارده البشرية. فإخضاع تفاصيل شؤون الموظفين لقوانين صادرة عن السلطة التشريعية قد يحد من قدرة الإدارة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، في حين تسمح الأنظمة بإجراء التعديلات اللازمة بقدر أكبر من المرونة.
إلا أن هذه الميزة يقابلها تحد كبير يتعلق باستقرار المركز القانوني للموظف العام. فالتعديلات المتباينة التي شهدتها أحكام الإجازة دون راتب خلال مدد متقاربة تقدم مثالا حيا على إمكانية تغير القواعد التي يرتب الموظفون أوضاعهم المهنية والشخصية على أساسها بصورة مفاجئة، دون إمكانية الاحتجاج بعدم سريان الأحكام الجديدة عليهم، بالنظر إلى الطبيعة التنظيمية للعلاقة بين الموظف والإدارة، وما يترتب عليها من عدم جواز التمسك بالحقوق المكتسبة في مواجهة التعديلات التي تطرأ على أحكام الوظيفة العامة.
ومن هنا، يثور التساؤل حول الأداة التشريعية الأنسب لتنظيم المسائل الأساسية في الوظيفة العامة، ومدى إمكانية الاستفادة من التجارب المقارنة في هذا المجال. وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في تطوير البناء التشريعي الأردني على أساس التمييز بين المبادئ والحقوق والواجبات والضمانات الأساسية للموظف العام، وبين المسائل الإدارية والتنفيذية المتغيرة؛ بحيث تحظى الأولى بقدر أكبر من الحماية التشريعية، وتبقى الثانية خاضعة للأداة التنظيمية التي توفر للإدارة المرونة اللازمة.
وفي هذا السياق، تقدم التجربة المصرية نموذجا يمكن الاستئناس به، إذ يتولى قانون الخدمة المدنية رقم (81) لسنة 2016 تنظيم المراكز القانونية للموظف العام، بما فيها التعيين وتقويم الأداء والترقية والأجور والعلاوات والإجازات والسلوك الوظيفي والتأديب وانتهاء الخدمة. وفي المقابل، صدرت اللائحة التنفيذية للقانون عام 2017 لتفصيل أحكامه وإجراءات تطبيقها. فالتجربة المصرية تقوم على توزيع المادة التشريعية بين القانون واللائحة التنفيذية؛ بحيث يتولى القانون تنظيم الأحكام الأساسية، وتترك تفاصيل تنفيذها للأداة التنظيمية.
ولم يكن هذا النهج بعيدا عن التجربة التشريعية الأردنية سابقا، إذ كان هناك قانون للخدمة المدنية ونظام للموظفين صادر بمقتضاه، إلى أن أصدر المجلس العالي لتفسير الدستور قراره رقم (1) لسنة 1965، الذي انتهى إلى عدم دستورية قانون الخدمة المدنية رقم (48) لسنة 1963، تأسيسا على أن تنظيم شؤون الموظفين التي تناولتها المادة (120) من الدستور يجب أن يتم بأنظمة تصدر عن السلطة التنفيذية.
ويشكل هذا القرار التفسيري قيدا دستوريا لا يمكن إغفاله عند التفكير في مراجعة الإطار التشريعي الناظم للوظيفة العامة وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الاستقرار. فالمطلوب ليس الحد من قدرة الإدارة على تطوير القطاع العام والاستجابة لمتغيراته، وإنما إيجاد توازن بين المرونة التي تحتاجها الإدارة واستقرار المركز القانوني للموظف العام.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء المادة (22) من الدستور التي تقرر حق كل أردني في تولي المناصب العامة بالشروط المعينة في القانون أو الأنظمة، وهو ما يستدعي البحث عن إطار تشريعي يوفر حماية أكبر للحقوق والضمانات الأساسية للموظف العام، دون أن يحول دون مواكبة المتغيرات التي تفرضها طبيعة الوظيفة العامة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
وبصرف النظر عن طبيعة هذه التعديلات واختلافها الجوهري عن التعديلات السابقة، فإنها تثير مسألة قانونية تتجاوز مضمونها المباشر، لتتعلق بمدى استقرار القواعد التي تحكم الوظيفة العامة في الأردن والمراكز القانونية للموظفين. فتنظيم شؤون الوظيفة العامة قد أسنده المشرع الدستوري إلى أنظمة مستقلة يصدرها مجلس الوزراء استنادا إلى المادة (120) من الدستور، التي تنص على أن تشكيلات دوائر الحكومة ودرجاتها وأسماءها ومنهاج إدارتها وكيفية تعيين الموظفين وعزلهم والإشراف عليهم وحدود صلاحياتهم واختصاصاتهم تعين بأنظمة يصدرها مجلس الوزراء بموافقة الملك.
ويجد هذا النهج الدستوري ما يبرره في الطبيعة المتغيرة للوظيفة العامة، وحاجة الإدارة إلى المرونة في تنظيم الجهاز الحكومي وموارده البشرية. فإخضاع تفاصيل شؤون الموظفين لقوانين صادرة عن السلطة التشريعية قد يحد من قدرة الإدارة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، في حين تسمح الأنظمة بإجراء التعديلات اللازمة بقدر أكبر من المرونة.
إلا أن هذه الميزة يقابلها تحد كبير يتعلق باستقرار المركز القانوني للموظف العام. فالتعديلات المتباينة التي شهدتها أحكام الإجازة دون راتب خلال مدد متقاربة تقدم مثالا حيا على إمكانية تغير القواعد التي يرتب الموظفون أوضاعهم المهنية والشخصية على أساسها بصورة مفاجئة، دون إمكانية الاحتجاج بعدم سريان الأحكام الجديدة عليهم، بالنظر إلى الطبيعة التنظيمية للعلاقة بين الموظف والإدارة، وما يترتب عليها من عدم جواز التمسك بالحقوق المكتسبة في مواجهة التعديلات التي تطرأ على أحكام الوظيفة العامة.
ومن هنا، يثور التساؤل حول الأداة التشريعية الأنسب لتنظيم المسائل الأساسية في الوظيفة العامة، ومدى إمكانية الاستفادة من التجارب المقارنة في هذا المجال. وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في تطوير البناء التشريعي الأردني على أساس التمييز بين المبادئ والحقوق والواجبات والضمانات الأساسية للموظف العام، وبين المسائل الإدارية والتنفيذية المتغيرة؛ بحيث تحظى الأولى بقدر أكبر من الحماية التشريعية، وتبقى الثانية خاضعة للأداة التنظيمية التي توفر للإدارة المرونة اللازمة.
وفي هذا السياق، تقدم التجربة المصرية نموذجا يمكن الاستئناس به، إذ يتولى قانون الخدمة المدنية رقم (81) لسنة 2016 تنظيم المراكز القانونية للموظف العام، بما فيها التعيين وتقويم الأداء والترقية والأجور والعلاوات والإجازات والسلوك الوظيفي والتأديب وانتهاء الخدمة. وفي المقابل، صدرت اللائحة التنفيذية للقانون عام 2017 لتفصيل أحكامه وإجراءات تطبيقها. فالتجربة المصرية تقوم على توزيع المادة التشريعية بين القانون واللائحة التنفيذية؛ بحيث يتولى القانون تنظيم الأحكام الأساسية، وتترك تفاصيل تنفيذها للأداة التنظيمية.
ولم يكن هذا النهج بعيدا عن التجربة التشريعية الأردنية سابقا، إذ كان هناك قانون للخدمة المدنية ونظام للموظفين صادر بمقتضاه، إلى أن أصدر المجلس العالي لتفسير الدستور قراره رقم (1) لسنة 1965، الذي انتهى إلى عدم دستورية قانون الخدمة المدنية رقم (48) لسنة 1963، تأسيسا على أن تنظيم شؤون الموظفين التي تناولتها المادة (120) من الدستور يجب أن يتم بأنظمة تصدر عن السلطة التنفيذية.
ويشكل هذا القرار التفسيري قيدا دستوريا لا يمكن إغفاله عند التفكير في مراجعة الإطار التشريعي الناظم للوظيفة العامة وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الاستقرار. فالمطلوب ليس الحد من قدرة الإدارة على تطوير القطاع العام والاستجابة لمتغيراته، وإنما إيجاد توازن بين المرونة التي تحتاجها الإدارة واستقرار المركز القانوني للموظف العام.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء المادة (22) من الدستور التي تقرر حق كل أردني في تولي المناصب العامة بالشروط المعينة في القانون أو الأنظمة، وهو ما يستدعي البحث عن إطار تشريعي يوفر حماية أكبر للحقوق والضمانات الأساسية للموظف العام، دون أن يحول دون مواكبة المتغيرات التي تفرضها طبيعة الوظيفة العامة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية