خلال السنوات الأخيرة ظهرت تخصصات جامعية بعناوين حديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والواقع الافتراضي. وهي تخصصات مهمة، لكن الخطر أن يتحول الأمر إلى سباق في استحداث البرامج وزيادة أعداد المقبولين دون النظر بعمق إلى احتياجات السوق وجودة المخرجات. اسم التخصص وحده لا يصنع مستقبلاً. فقد يتخرج طالب في الذكاء الاصطناعي ولا يمتلك القدرة على تطوير تطبيق حقيقي، بينما قد يتخرج مهندس أو طبيب أو اقتصادي يمتلك مهارات رقمية متقدمة تجعله أكثر قدرة على المنافسة. سوق العمل لن يسأل الخريج فقط: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل؟
وهنا نحتاج إلى تغيير في فلسفة التعليم الجامعي. ليس المطلوب تحويل جميع الطلبة إلى مبرمجين، ولا وضع كلمة "الذكاء الاصطناعي" في اسم كل تخصص، وإنما جعل الذكاء الاصطناعي والبيانات والمهارات الرقمية جزءاً من الثقافة المهنية لمختلف التخصصات. نحتاج إلى طبيب يفهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص، ومهندس يوظف الأنظمة الذكية، ومحاسب يتعامل مع الأتمتة وتحليل البيانات، وإعلامي يدرك تحديات المحتوى الاصطناعي، ومحامٍ يفهم القضايا القانونية والأخلاقية المرتبطة بالخوارزميات، ومعلم يستطيع توظيف الأدوات الذكية في التعليم.
أما التحدي الأكبر أمام جامعاتنا، فهو أن سرعة تغير التكنولوجيا أصبحت أكبر من سرعة تغيير الخطط الدراسية. ما يتعلمه الطالب في سنته الأولى قد يتغير جزء منه قبل تخرجه، ولذلك لم يعد الهدف أن نحشو أكبر كمية من المعلومات في أربع سنوات، بل أن نبني أساساً علمياً قوياً، ونعلّم الطالب كيف يبحث ويتعلم ويحل المشكلات ويطوّر مشروعاً حقيقياً. فأهم مهارة في المستقبل قد تكون القدرة على التعلم من جديد كلما تغيرت التكنولوجيا.
وتقع مسؤولية مماثلة على الأسرة والطالب. لم يعد السؤال الصحيح بعد الثانوية العامة: "ما التخصص الأكثر طلباً؟"، لأن الإجابة قد تتغير خلال سنوات الدراسة. السؤال الأهم هو: ما التخصص الذي يتناسب مع قدرات الطالب ويمنحه معرفة ومهارات قابلة للتطور؟ فالشهادة ستبقى مهمة، لكنها لن تكون وحدها ضماناً للعمل.
المعركة الحقيقية ليست بين تخصصات قديمة وأخرى حديثة، بل بين تعليم يخرّج طالباً ينتظر الوظيفة، وتعليم يخرّج إنساناً قادراً على صناعة قيمته وفرصته. وإذا أردنا إعداد أبنائنا لعصر الذكاء الاصطناعي، فلا يكفي أن نستحدث تخصصات تحمل اسمه؛ علينا أن نعيد التفكير في فلسفة التعليم الجامعي، لأن السؤال الذي سيواجه خريج المستقبل لن يكون: ما اسم تخصصك؟ بل ماذا تستطيع أن تفعل؟