تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام، فنستعيد سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونقف امام حياة تركت اثرا لا يزال حاضرا في وجدان المسلمين وفي تاريخ الانسانية.
وفي يوم الثلاثاء الموافق 25 آب، يحتفل الاردن بهذه المناسبة، ويتوقف العمل في المؤسسات والدوائر الرسمية، لتكون المناسبة فرصة للراحة، ولكنها في الوقت نفسه فرصة للتأمل في المعاني التي تحملها هذه الذكرى.
فالمولد النبوي ليس مناسبة للاحتفال فقط، ولا تاريخا نمر عليه كل عام، وانما هو تذكير بسيرة انسانية عظيمة قامت على الرحمة والصدق والامانة والتسامح واحترام الانسان.
ولعل اجمل ما يمكن ان نفعله في هذه المناسبة ان نخرج من الحديث عن السيرة الى تطبيق شيء منها في حياتنا. فالقيم لا تقاس بما نقوله عنها، وانما بما نفعله في تعاملنا مع الآخرين.
نحتاج الى الصدق في بيوتنا واعمالنا، والى الامانة في مسؤولياتنا، والى الرحمة في تعاملنا مع من يمر بظرف صعب، والى التسامح عندما نختلف، والى احترام الانسان مهما كان موقعه او عمله.
واحيانا لا تحتاج الاخلاق الى مواقف كبيرة حتى تظهر. قد تكون في كلمة طيبة نقولها لشخص متعب، او في مساعدة نقدمها لمن يحتاج، او في ان نمنح انسانا فرصة ثانية، او في ان نؤدي عملا كلفنا به باخلاص حتى لو لم يسألنا احد عنه.
وانا اؤمن ان اجمل احتفال بالمولد النبوي هو ان نراجع انفسنا قليلا. ان يسأل كل واحد منا نفسه، هل اصبحت معاملتي للناس افضل؟ هل اصبحت اكثر صبرا؟ هل اصبحت ارحم في حكمي على الآخرين؟ وهل اترك اثرا طيبا في المكان الذي اعمل فيه وبين الناس الذين التقي بهم؟
هذه الاسئلة ربما تكون اهم من اي مظاهر اخرى للاحتفال.
وفي حياتنا العملية، نحتاج الى هذه القيم بصورة كبيرة. فالمؤسسة ليست انظمة وتعليمات فقط، وانما هي في النهاية مجموعة من الناس. وطريقة تعامل المسؤول مع الموظف، والموظف مع المراجع، والطبيب مع المريض، والمعلم مع الطالب، كلها مواقف تكشف حقيقة القيم التي نؤمن بها.
قد يكون القرار صحيحا، لكن اسلوب تنفيذه يجعل الانسان يشعر بالظلم. وقد يكون الموقف بسيطا، لكن كلمة احترام واحدة تجعل صاحبها يغادر المكان وهو يشعر ان هناك من يسمعه ويقدر ظروفه.
وهنا تظهر اهمية السيرة النبوية في حياتنا اليومية، ليس باعتبارها موضوعا نتحدث عنه في المناسبات، وانما باعتبارها مدرسة في التعامل مع الانسان.
وفي مجتمعنا الاردني، الذي تقوم علاقاته على المحبة والتكافل والنخوة، تبقى هذه القيم جزءا مهما من قدرتنا على مواجهة الظروف والتحديات. فنحن بحاجة الى ان نحافظ على ما يجمعنا، وان لا تسمح لنا ضغوط الحياة بان نفقد ابسط معاني الرحمة والاحترام.
وقد تكون مناسبة المولد النبوي فرصة لان نعيد ترتيب بعض الامور في حياتنا. ان نخفف من الخصام، وان نقترب من اهلنا، وان نسأل عن شخص غاب عنا، وان نساعد من نستطيع مساعدته، وان نكون اكثر لطفا مع من نلتقي بهم في يومنا العادي.
فالانسان لا يعرف فقط بما يملكه او بما يشغله من منصب، وانما بما يتركه في نفوس الآخرين.
وما احوجنا اليوم الى هذه الفكرة البسيطة. نعيش في زمن سريع، وكثير من الناس يحملون ضغوطا لا نعرفها. وقد تكون كلمة قاسية سببا في زيادة تعب انسان، بينما قد تكون كلمة طيبة سببا في ان يكمل يومه بشكل افضل.
لهذا فان ذكرى المولد النبوي تحمل رسالة تتجاوز المناسبة نفسها، ان الاخلاق ليست شيئا نمارسه في اوقات محددة، وانما اسلوب حياة.
وعندما تنتهي العطلة ونعود الى اعمالنا، ستبقى القيمة الحقيقية لهذه المناسبة فيما نحمله معنا. هل نعود بنفس الطريقة التي كنا عليها، ام ناخذ معنا شيئا جديدا؟
ربما لا نستطيع تغيير العالم كله، ولا نستطيع حل كل مشكلات المجتمع، لكننا نستطيع ان نغير شيئا في انفسنا، وان نجعل تعاملنا مع من حولنا افضل.
وهذا بحد ذاته بداية مهمة.
في ذكرى المولد النبوي الشريف، نحتفل بسيرة نبي كريم، لكن الاجمل ان نجعل هذه الذكرى مناسبة لنقترب اكثر من القيم التي عاش من اجلها، الرحمة، والصدق، والامانة، والتسامح، وحفظ كرامة الانسان.
فالمناسبات تمر، والايام تمضي، لكن ما يبقى فعلا هو الاثر الذي نتركه في حياة الآخرين.
كل عام والاردن قيادة وشعبا بالف خير، وكل عام ونحن اكثر تمسكا بقيمنا، واكثر قدرة على ان نجعل من اخلاقنا سلوكا نراه في حياتنا اليومية.