قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريباً: هل يمكن أن يكون الرمز التعبيري الذي نرسله عبر الهاتف مثل أو «OK» وسيلة قانونية للتعبير عن القبول؟ إلا أن التحول الرقمي في المعاملات جعل هذا السؤال أقرب إلى الواقع القضائي مما قد يبدو.
الأصل أن العقد لا يقوم إلا بتلاقي الإيجاب والقبول وتوافق الإرادتين. وقد نصت المادة (90) من القانون المدني الأردني على أن «ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد». والأهم أن المادة (93) جاءت بصياغة مرنة حين قررت أن التعبير عن الإرادة يكون «باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المعهودة عرفاً» وبالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي «وباتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على التراضي.
وهذا النص الأخير تحديداً يفتح مجالاً قانونياً لاستيعاب وسائل التعبير الحديثة إذ إن المشرع لم يحصر التعبير عن الإرادة في الكلمات أو الكتابة وإنما جعل العبرة بدلالة السلوك والظروف المحيطة به على التراضي.
ويأتي قانون المعاملات الإلكترونية ليعزز هذا الاتجاه فقد عرّف المعلومات الإلكترونية بأنها تشمل البيانات والنصوص والصور والرسومات والأشكال والأصوات والرموز وما شابه ذلك كما قررت المادة (9/أ) أن رسالة المعلومات تعتبر وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة المقبولة قانوناً لإبداء الإيجاب أو القبول بقصد إنشاء التزام تعاقدي.
وقد شهد التشريع الأردني تطوراً مهماً في هذا المجال بصدور قانون رقم (1) لسنة 2026 المعدل لقانون المعاملات الإلكترونية والذي أضاف إلى المادة (9) الفقرة (ب) التي تقرر أن «يكون للمعلومات الإلكترونية والسجل الإلكتروني اللذين تنطبق عليهما الشروط الواردة في هذا القانون حجية الأسناد الخطية». وقد أدرج القانون رسمياً ضمن الجريدة الرسمية.
وعليه فإن إرسال رمز تعبيري عقب عرض تعاقدي واضح قد يكون وسيلة للتعبير عن القبول متى كانت دلالته في ظروف الواقعة لا تدع مجالاً للشك في أن المرسل قصد به الموافقة وليس مجرد التفاعل مع الرسالة.
فلو عرض شخص على آخر بيع مركبة بمبلغ محدد وموعد محدد للتسليم ثم جاء الرد برمز واضح متعارف عليه بين الطرفين للدلالة على الموافقة فقد يكون لهذا الرد أثر قانوني إذا ثبتت نسبته إلى صاحبه وثبت سياقه ومضمونه.
لكن لا يجوز القول إن كل رمز تعبيري يمثل قبولاً ملزماً فالعبرة ليست بالرمز مجرداً وإنما بسياق المحادثة وطبيعة التعامل والعلاقة السابقة بين الطرفين والعبارات المصاحبة للرمز وسلوك الطرفين اللاحق. كما يجب التمييز بين التعبير عن الإرادة وبين التوقيع الإلكتروني فالرمز قد يدل على القبول دون أن يكون بالضرورة توقيعاً إلكترونياً مستوفياً لشروطه القانونية.
ومن هنا فإن الرمز التعبيري قد ينتقل من مجرد وسيلة للتواصل الاجتماعي إلى دليل ذي قيمة قانونية متى ثبتت نسبته إلى صاحبه وكانت دلالته واضحة على إرادة قانونية منتجة للأثر.
إن التحدي الحقيقي أمام القضاء الأردني مستقبلاً لن يكون في السؤال عما إذا كان الرمز التعبيري «كلمة» أم «صورة» وإنما في تحديد ما إذا كان هذا الرمز في سياق المعاملة المحددة يكشف عن إرادة حقيقية اتجهت إلى إبرام العقد.
وهنا تظهر مرونة القانون الأردني وقدرته على استيعاب التطور التقني دون الحاجة إلى الوقوف عند الشكل التقليدي للتعبير عن الإرادة فالقانون في نهاية المطاف لا يحمي شكل التعبير بقدر ما يبحث عن حقيقة الإرادة التي يقصد بها إنشاء الأثر القانوني.