كتاب

الضفة الغربية.. نحو استراتيجية أردنية لاستباق المخاطر

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزايد فيها التهديدات المحيطة بالأردن والمنطقة، لم يعد أمام عمّان ترف الاكتفاء بالمراقبة والانتظار. فالتطورات المتسارعة في الضفة الغربية تفرض نفسها باعتبارها أحد أخطر الملفات المرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني والمصالح الحيوية للدولة، لا سيما في ظل بيئة دولية معقدة، وإدارة أميركية تختلف مقارباتها، وتضاؤل هامش الحركة أمام الأطراف العربية.

وفي مثل هذه الظروف، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة سياسية هادئة ومتوازنة، تجمع بين ضرورات حماية الأمن الوطني الأردني والحفاظ على الثوابت الوطنية والقومية تجاه القضية الفلسطينية، بعيداً عن ردود الفعل الآنية أو المواقف التي قد تضع الأردن في مواجهة خيارات لا تخدم مصالحه.

ومن أخطر السيناريوهات التي ينبغي تجنبها، محاولات نقل ملف الضفة الغربية من سياقه الطبيعي كصراع فلسطيني ـ إسرائيلي إلى ساحة استقطاب أردني داخلي.

الأولوية هنا هي بناء رواية أردنية متماسكة تجمع بين الموقف السياسي والقانوني والإعلامي، وتستند إلى المصالح العليا للدولة بعيداً عن ردود الفعل الآنية.

لقد شكّل قرار فك الارتباط القانوني والإداري عام 1988 محطة مفصلية حسَمت مرجعيات الموقف الأردني، وفي مقدمتها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، والالتزام بالإطار العربي والدولي.

تفرض هذه المرجعيات واقعية استراتيجية؛ فالأردن ليس معنيّاً بمواجهة منفردة، لكنه في الوقت ذاته لا يملك ترف التغاضي عن انعكاسات ما يجري في الضفة على أمنه.

المعادلة دقيقة: لا مواجهة عبثية، ولا انسحاب من المسؤولية، بل تحرك محسوب يحمي الأردن ويصون الحقوق الفلسطينية.

ولأن الضفة الغربية ترتبط بالأردن جغرافياً وسياسياً وديمغرافيا، فإن مواجهة المخاطر المحتملة – وعلى رأسها خطة التهجير القسري وتصفية القضية على حساب المملكة – تستدعي تحركاً استباقياً لا ينتظر وقوع الكارثة. يتقاطع حماية الأمن الوطني الأردني هنا كلياً مع دعم صمود الفلسطينيين في أرضهم وتحصين الجبهة الداخلية.

وفي هذا السياق، برز خيار استراتيجي وقائي يتمثل في أن تقود عمّان مبادرة دبلوماسية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية والدول العربية، للدفع نحو تكريس الاعتراف الدولي بالهوية الوطنية والحقوق القانونية للشعب الفلسطيني، وتعزيز الاعتراف بدولته وحقه في تقرير مصيره.

وينبغي ان لا يتوقف هذا الطرح عند حدود إصدار وثائق السفر، بل يهدف إلى إرساء تصور قانوني وسياسي يثبّت الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني ودولته، ويسحب البساط من أمام أي مشاريع إسرائيلية تسعى لتكريس خيار 'الوطن البديل' أو تحميل الأردن مسؤولية الحل الديموغرافي والجغرافي.

إن عبور هذه المرحلة الحرجة يتطلب العمل عبر أربعة مسارات متوازية تتمثل في: منع تحويل الصراع إلى سجال داخلي، وتعزيز التماسك المجتمعي، وصياغة موقف موحد ومستدام سياسياً وقانونياً وإعلامياً، وبناء مظلة دولية ضاغطة ترفض التغيير الديموغرافي وتدعم قيام الدولة الفلسطينية، اضافة الى وضع أدوات وقائية وردعية سياسية وأمنية وقانونية مبكرة.

بالمحصلة، الأردن لا يملك ترف العزلة ولا الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة. ما يملكه هو موقعه السياسي، وواقعيته الاستراتيجية، وخبرته في إدارة الأزمات وقدرته على المناورة في الوقت المناسب بما يخدم مصالحه العليا.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى هدوء في الخطاب، وصلابة في الموقف، ووضوح في الأولويات، واستباق للمخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب احتواؤها.

والمطلوب رفع مستوى الجاهزية السياسية والدبلوماسية والقانونية، بما يحمي الأردن ومصالحه العليا، ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابته تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.