كتاب

قراءة في تعديل قانون الهيئة المستقلة للانتخاب (2/2)

تكشف التعديلات الأخيرة التي وافق عليها مجلس الوزراء على قانون الهيئة المستقلة للانتخاب عن توجه حقيقي نحو تطوير الإطار التشريعي الناظم لعمل الهيئة، وذلك بما يواكب اتساع اختصاصاتها في الإشراف على الانتخابات النيابية والبلدية، إلى جانب متابعة شؤون الأحزاب السياسية منذ مرحلة التسجيل وخلال ممارستها لأنشطتها وفق أحكام القانون.

فمن أبرز التعديلات المقترحة توسيع نطاق الحظر على الانتساب إلى الأحزاب السياسية ليشمل جميع موظفي الهيئة المستقلة للانتخاب طوال مدة عملهم لديها. فقانون الأحزاب السياسية النافذ لعام 2022 يقصر هذا الحظر على رئيس مجلس مفوضي الهيئة وأعضائه وأمين سجل الأحزاب، في حين يتجه المشروع الجديد إلى مد نطاقه ليشمل الجهاز الوظيفي للهيئة بأكمله.

ولهذا التوسع في القيد على ممارسة العمل الحزبي ما يبرره بالنظر إلى طبيعة المهام التي تمارسها الهيئة في إدارة الانتخابات ومتابعة الأوضاع القانونية والتنظيمية للأحزاب السياسية. فمقتضيات الحياد لا ينبغي أن تقتصر على من يتولى قيادة الهيئة واتخاذ القرارات الرئيسية فيها، وإنما تمتد إلى موظفيها الذين يباشرون الإجراءات والأعمال المتصلة بالأحزاب والعمليات الانتخابية.

وعليه، فإن هذا الحظر المؤقت والشخصي على الانتساب إلى الأحزاب السياسية يرتبط بطبيعة الوظيفة التي يمارسها موظفو الهيئة، ويكرس مبدأ جواز تقييد بعض الحقوق السياسية لمن يتولى وظائف عامة تقتضي الحياد، كما هو الحال بالنسبة للقضاة والحكام الإداريين وأعضاء السلك الدبلوماسي ومنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. وتزداد أهمية هذا القيد لموظفي الهيئة المستقلة للانتخاب، لضرورة بقائها على مسافة واحدة من جميع الأحزاب والقوى السياسية.

وفي سياق متصل بتكريس حياد الهيئة، يتضمن مشروع القانون المعدل حكما تشريعيا يتعلق بموظف الهيئة الذي يرغب في الترشح لأي انتخابات تديرها أو تشرف عليها، إذ سيكون ملزما بالتقدم بطلب إجازة دون راتب قبل موعد الاقتراع بتسعين يوما، على أن يعتبر مستقيلا حكما من وظيفته في حال فوزه فيها.

وهذا الحكم ليس مستحدثا في التشريع الانتخابي الأردني، إذ سبق أن قرره قانون الانتخاب النافذ للموظفين العموميين الراغبين في الترشح لعضوية مجلس النواب. فالمادة (11) منه تلزم الموظف العام بالتقدم بطلب إجازة دون راتب قبل تسعين يوما من موعد الاقتراع، على أن يعتبر مستقيلا حكما من وظيفته بتاريخ نشر إعلان فوزه في الجريدة الرسمية.

ومع اتساع اختصاصات الهيئة المستقلة للانتخاب لتشمل الانتخابات البلدية وأية انتخابات تتولى إدارتها أو الإشراف عليها، يبدو منطقيا أن يمتد هذا الحكم إلى موظفيها في مختلف الانتخابات التي تدخل ضمن ولايتها، وذلك ضمانا لعدم تضارب المصالح. إذ يصعُب التوفيق بين استمرار الشخص في ممارسة مهامه داخل الجهة المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية وبين دخوله في الوقت ذاته طرفا منافسا فيها، كما أن مقتضيات الحياد لا تختلف باختلاف نوع الانتخابات ما دامت الهيئة تتولى إدارتها والإشراف عليها.

وإلى جانب هذه الضمانات الوظيفية، تمتد التعديلات المقترحة إلى مواكبة التطور في وسائل الدعاية الانتخابية، وذلك من خلال الاعتراف بالدعاية الرقمية والإلكترونية وتنظيمها. فالحملات الانتخابية لم تعد تقتصر على اللقاءات الوجاهية والمهرجانات الخطابية، بل أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءا رئيسيا من التنافس على المقاعد المحلية والوطنية الحزبية. ومن ثم، فإن إخضاع هذه الوسائل لإطار قانوني واضح يمثل استجابة تشريعية ضرورية للتطور الذي شهدته البيئة الانتخابية، ويعزز قدرة الهيئة على الرقابة على مختلف أشكال الدعاية ووسائلها.

خلاصة القول، إن الغاية من التعديلات المقترحة على قانون الهيئة المستقلة للانتخاب لا تتمثل في إضافة قيود جديدة على ممارسة العمل السياسي والحزبي، وإنما في تعزيز ضمانات الحياد والنزاهة وترسيخ الثقة العامة بالمؤسسة الدستورية التي تتولى إدارة العملية الانتخابية. فمنذ إسناد الإشراف على الانتخابات النيابية إلى الهيئة عام 2012، أسهمت إدارتها المستقلة للعملية الانتخابية في تعزيز الثقة بإجراءاتها ونزاهتها، وذلك بصرف النظر عن مخرجات الانتخابات ومدى فاعلية المجالس النيابية التي تفرزها.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com