هو الهدوء القادر على الحسم، أي اتخاذ القرارات والخطوات الحازمة في وقتها وبالوضوح والقوة الكافيتين، بعيدا عن الانفعالات الآنية وردات الفعل السريعة، ودون ضجيج خطابي وإعلامي فائض عن الحاجة أو زائد عن الغايات والأهداف المرسومة، وهذا نهج أردني كرسته القيادة الهاشمية عبر عقود طويلة مليئة بالمنعطفات والتحولات الحادة وذات الارتدادات العميقة، وفي كل مرحلة ومنعطف برز الأردن بهدوئه الاستراتيجي المنتج، هو هدوء وأناة في بناء الرد وقدرته على ردع أو إنهاء خطر ما، لكنه لا يصمت أو يدير ظهره وكأن شيئا لم يكن، ويعرف كل من حاول المس بأمن ومكانة الأردن أن الرد سيلاحقه حتى لو كان بعيدا عن الحدود، والأمثلة والشواهد كثيرة ومتعددة، لكنه أي الأردن يختار الوقت المناسب والكيفية المحققة للغاية والقدرة القادرة على الحسم عسكريا وأمنيا وسياسيا.
في السنوات الأخيرة ومع بروز المسألة السورية كتحد أمني وعسكري وسياسي، تجلى الهدوء الأردني في التعاطي والتعامل مع مراحل هذه
المسألة منذ 2011 وحتى اليوم، وهو هدوء فعال ومنتج، نتج عنه حسم كثير من البؤر الساخنة وتمتين نقاط الضعف، وعند الضرورة الخروج خارج الحدود مخابراتيا وجويا لإنهاء مراكز خطر تستهدف الأردن وأمنه وسلامة أراضيه، وكان الأردن وما زال يقدم التضحيات
والشهداء من خيرة أبنائه في سبيل حماية الوطن وأهله وصون حدوده وكرامته، ونجد أن هذا كله يتم دون ضجيج إعلامي وسياسي لا لزوم له، فكل حدث أمني أو عسكري يأتي مشفوعا ببيان مقتضب، لتوضيح ما جرى بأقل عدد من الكلمات بعيدا عن الإنشاء الزائد أو العبارات الرنانة.
نعم الإقليم يعج بالضجيج وطبول الحرب، وحرب البيانات وخطابات التضليل المتعددة، وهنا يتجلى الهدوء الأردني في التعاطي الفعال مع كل معطى جديد، فعند تكرار الاعتداء على الأردن من حدود مجاورة، جاءت الرسالة الأردنية حازمة وحاسمة، ورادعة في الوقت نفسه، دون أن يترافق ذلك مع استعراضات كلامية أو حرب إعلامية، فكل شيء بقدر محسوب، والفعل أو الأساس وليس ما يسبقه ويلاحقه، وهذا سياق بات معروفا ومكرسا، ويميز الأردن ويرسم سماته منذ مراحل التأسيس الأولى، هي شدة في الفعل واعتدال في المواجهة الإعلامية والسياسية، مما يقرب المسافة بين الفعل والتعبير عنه، فالتضخيم والضجيج يفقد الفعل الميداني زخمه وأثره الردعي المطلوب.
إن مساندة غزة في كل المسارات، ودعم السلطة الفلسطينية ضد الخطط الإسرائيلية، ورفض التهجير والإجهاز على الحل العادل، والوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس، كلها ملفات قادها جلالة الملك بهدوء وحزم دون مواربة أو تضليل خطابي شعبوي خال من فعل حقيقي على الأرض، والوقائع تعبر عن نفسها ولن يتمكن التاريخ من تجاوزها، رغم ما نعانيه هنا وهناك من ظلم وافتراء ومحاولات التقليل والتجاهل لما قام به الأردن ويقوم به تجاه القضايا العربية المصيرية، لكن إيمان الأردن بدوره التاريخي والأخلاقي والعروبي، يجعله يتسامى عن كثير من هذه الأفواه السامة.
إن ما كشفته المواجهة الأخيرة مع إيران ومليشياتها، صلابة الجبهة الأردنية ومنعة سمائها وحدودها، والتعاطي الهادئ مع كل ما أفرزته من تحديات أمنية وعسكرية واقتصادية، وأن يترافق ذلك كله بخطوات عملية في مواجهة العدوان السافر، والقدرة ليس فقط على مجابهته وإبطال مفعوله بل والعمل على ردعه ودحره، بهدوء الواثق والعارف بمسار ومآلات الأحداث، يجعل من الأردن مدرسة في النهج والممارسة الاستراتيجية المنتجة دون صخب لا فائدة منه.