كتاب

سور الصين العظيم.. لم يعد حاجزاً أمام الاقتصاد الأردني

تأتي الزيارة الملكية السامية إلى جمهورية الصين الشعبية، وما رافقها من لقاءات لجلالة الملك عبد الله الثاني مع رؤساء وممثلي كبرى الشركات الصينية في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والسياحة والاستثمار، لتؤكد مجدداً أن الدبلوماسية الملكية لا تكتفي بفتح الأبواب، بل تعمل على بناء شراكات اقتصادية قادرة على تحويل العلاقات السياسية والتاريخية بين الأردن والصين إلى فرص استثمارية وسياحية وتنموية ملموسة.
لقد نجحت الرؤية الملكية في تجاوز الحواجز الجغرافية والاقتصادية، ووضعت الصين أمام القطاعين العام والخاص في الأردن كسوق استراتيجية واعدة، وليس كسوق تجارية تقليدية فحسب وبذلك، فإن 'سور الصين العظيم' لم يعد حاجزاً أمام الاقتصاد الأردني، بل أصبح بوابة نحو واحدة من أكبر الأسواق العالمية وأكثرها تأثيراً.
لكن النجاح الحقيقي لأي زيارة ملكية لا يقاس فقط بما ينتج عنها من لقاءات واتفاقيات، وإنما بقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل مخرجاتها إلى برامج تنفيذية ومشاريع واستثمارات وشراكات مستدامة فمن الدبلوماسية الملكية إلى التنفيذ المؤسسي حيث قام جلالة الملك بدوره في فتح الطريق وتعبيده، وتعزيز الثقة، واستقطاب اهتمام المستثمر والسائح الصيني بالأردن، والآن تبدأ المرحلة الأهم مرحلة المتابعة والتنفيذ.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة ومؤسساتها المختلفة، كلٌّ ضمن اختصاصه، للعمل وفق فريق وطني واحد يضع للسوق الصينية خطة عمل واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، فالمطلوب ليس انتظار نتائج الزيارة، وإنما تشكيل فريق متابعة متخصص للعلاقات الاقتصادية والسياحية الأردنية–الصينية يتولى حصر مخرجات الزيارة، وتصنيفها حسب الأولوية، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل ملف، ووضع جداول زمنية للتنفيذ، ورفع تقارير دورية حول ما تم إنجازه.
لقد فتح جلالة الملك الباب خلال زيارته عدد من الشركات المهمة في مجالات مختلفة وزيارة مقر شركة Trip المتخصصة في تصدير السياحة الصينية الى العالم ، والمسؤولية الآن أن ندخل منه، دول الإقليم تتحرك والأردن يمتلك ما يؤهله للمنافسة السوق الصينية أصبحت محوراً رئيسياً في خطط السياحة والاستثمار لدى العديد من دول المنطقة فقد تمكنت مصر والإمارات والسعودية وغيرها من بناء حضور متزايد لدى السائح والمستثمر الصيني، من خلال الربط الجوي، والتسويق المتخصص، وتوفير الخدمات الملائمة للثقافة الصينية، واستقطاب الاستثمارات والشركات الصينية.
وهذا الواقع يجب ألا يدفع الأردن إلى المنافسة على عدد السياح فقط، بل إلى بناء ميزة تنافسية أردنية خاصة فالأردن يمتلك عناصر لا تتوافر مجتمعة في كثير من الوجهات واهمها الأمن والاستقرار، والمواقع الدينية المسيحية والإسلامية، والبترا، ووادي رم، والبحر الميت، والعقبة، ومأدبا، وجبل نيبو، إضافة إلى السياحة العلاجية والمؤتمرات والمغامرة والتراث والثقافة.
والسؤال لم يعد هل يستطيع الأردن جذب السائح الصيني بل أصبح كم نريد من هذا السوق وما الخطة التي سننفذها للوصول إليه، الصين سوق سياحي يتطلب استراتيجية مختلفة والتعامل مع السوق الصينية لا يمكن أن يتم بالأساليب التسويقية التقليدية فالصين تحتاج إلى استراتيجية تسويق سياحي متخصصة، تعتمد على فهم سلوك المستهلك الصيني، والمنصات الرقمية التي يستخدمها، وطبيعة اهتماماته، وأنماط السفر لديه، واحتياجاته في الإقامة والطعام والدفع الإلكتروني والمعلومات السياحية، ومن هنا فإن الجهات المعنية مطالبة بالانتقال من الترويج العام إلى التسويق المتخصص للسوق الصينية، بالتعاون مع مكاتب السياحة والسفر وشركات الطيران والفنادق والقطاع الخاص والمؤسسات الدينية ويجب أن تتضمن الاستراتيجية تطوير محتوى سياحي أردني احترافي باللغة الصينية الترويج عبر المنصات الرقمية الصينية الأكثر تأثيراً.
ان العمل على استقطاب المؤثرين وصناع المحتوى السياحي الصينيين وتصميم برامج سياحية مخصصة للسائح الصيني واستهداف شرائح الحج الديني والسياحة الثقافية والعلاجية والمغامرات يرافق ذلك تدريب أدلاء سياحيين يتحدثون اللغة الصينية وبناء شراكات مع منظمي الرحلات والسفر الصينيين وتطوير برامج سياحية مشتركة تجمع الأردن بوجهات إقليمية مكملة، اما السياحة الدينية فتعتبر فرصة استراتيجية حيث يتميز الأردن بمكانة استثنائية في خريطة السياحة الدينية العالمية ففي السياحة المسيحية، يمثل موقع المغطس، وجبل نيبو، ومأدبا وكنيسة الخارطة، ومكاور عناصر قوية يمكن البناء عليها لتطوير منتج سياحي ديني موجه للسوق الصينية، كما يمتلك الأردن مقامات وأضرحة لعدد من الصحابة والشخصيات الإسلامية، ما يفتح مجالاً مهماً أمام السياحة الدينية الإسلامية القادمة من الصين والتي يقدر عددها بنحو 65 مليون نسمة فقط من اتباع الديانتين؟.
وهنا يجب أن تتكامل جهود وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والجهات الدينية والمؤسسات المعنية، لإعداد منتج سياحي ديني وترفيهي متكامل، لا يكتفي بعرض المواقع، وإنما يقدم تجربة متكاملة من النقل والإقامة والشرح والإرشاد والخدمات.
ولا يكفي أن نقول إننا نريد السائح الصيني علينا أن نجعل الأردن مستعداً لاستقباله وهذا يعني العمل على تطوير منظومة خدمات تشمل الفنادق والمطاعم والمطارات والمواقع السياحية ووسائل الدفع والخدمات الرقمية، كما أن الفرصة لا تتوقف عند استقطاب السائح، بل تمتد إلى استقطاب المستثمر الصيني في القطاع السياحي، من خلال الاستثمار في الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية والتكنولوجيا والضيافة، بما يساهم في نقل الخبرة وخلق فرص العمل وتعزيز جودة المنتج السياحي.
ومن المهم كذلك العمل على توفير وسائل الدفع الرقمي التي يفضلها الزائر الصيني، وتطوير الخدمات والمعلومات السياحية باللغة الصينية، وتعزيز حضور الأردن على المنصات الرقمية الصينية.
الزيارة الملكية وفرت فرصة استثنائية للتعريف بالأردن كموقع سياحي استثماري، لكن المرحلة التالية يجب أن تتمثل في إدارة هذه الفرص وتحويلها إلى ملفات استثمارية جاهزة وخطط استقطاب واضحة المعالم، ولتحقق النتائج المرجوة فإن الطيران هو المفتاح الأول للسائح الصيني، اذ لا يمكن الحديث عن استقطاب أعداد كبيرة من السياح الصينيين دون معالجة ملف الربط الجوي، ولهذا يجب أن يكون فتح خطوط جوية مباشرة أو رحلات عارضة ومنتظمة بين الأردن والصين أحد الملفات ذات الأولوية في المتابعة الحكومية، بالتنسيق بين شركات الطيران والقطاع الخاص السياحي، فالمنتج السياحي مهما كان قوياً، لن يحقق أهدافه ما لم يكن الوصول إليه سهلاً وميسراً ومنافساً من حيث الوقت والتكلفة.
المطلوب الآن.. غرفة عمليات دائمة الانعقاد حيث ان المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من الاجتماعات بقدر ما تحتاج إلى آلية متابعة وتنفيذ ومن الضروري تشكيل لجنة وطنية تنفيذية للسوق الصينية لاستقطاب واحد بالاف (.0001) من هذا السوق الكبير، تكون مهمته حصر جميع مخرجات الزيارة الملكية المتعلقة بالاستثمار والسياحة والتجارة تحديد الأولويات والمشاريع القابلة للتنفيذ فوراً.
بهذه الطريقة تتحول الزيارة الملكية من حدث دبلوماسي واقتصادي مهم إلى برنامج عمل وطني مستمر فقد فتح جلالة الملك الطريق والمرحلة الآن مرحلة إنجاز فقد نجح جلالته في وضع الأردن على طاولة الشركات والمؤسسات الصينية الكبرى، وخلق حالة من الاهتمام والفرص.
لكن قيمة هذه الجهود ستتضاعف عندما تتحول نتائجها إلى استثمارات قائمة، ومشاريع تعمل، وسياح يصلون، وخطوط جوية تربط الأردن بالصين، وشركات صينية ترى في المملكة قاعدة إقليمية لأعمالها فلقد أصبح الطريق ممهداً، ولم يعد 'سور الصين العظيم' مرتفعاً أمام الاقتصاد الأردني.
المطلوب الآن أن تكون الاستجابة بحجم الجهد الملكي؛ من خلال مؤسسات حكومية متحركة، وقطاع خاص مبادر، واستراتيجية للدخول متخصصة بالصين، وفريق متابعة لا يتوقف عند توقيع الاتفاقيات، بل يقيس النتائج ويحاسب على التنفيذ.
فالفرصة التي صنعتها الدبلوماسية الملكية لا ينبغي أن تبقى في إطار الصور واللقاءات؛ بل يجب أن تتحول إلى استثمارات وسياحة وصناعة وتكنولوجيا وفرص عمل، وأن يصبح الأردن شريكاً اقتصادياً حقيقياً للصين في المنطقة.
جلالة الملك فتح الباب.. والآن على المؤسسات أن تدخل، وعلى القطاع الخاص أن يستثمر، وعلى الجميع أن يحوّل الفرصة إلى إنجاز.