أكد الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن مخزون المملكة من القمح يغطي نحو تسعة أشهر ونصف الشهر، وفق ما أعلنته وزارة الصناعة والتجارة في أول آب الماضي، مشيرا إلى أن هذا المخزون وإن بدا مطمئنا إذا ما قورن بمعايير الإقليم، إلا أنه لا يشكل بمفرده ضمانة كافية للأمن الغذائي في أوقات الأزمات، داعيا إلى خطوات إضافية تتجاوز التخزين نحو معالجة نقاط الضعف في المنظومة الغذائية الوطنية.
وأوضح الزعبي إلى «الرأي» أن مخزون القمح يضم 610 آلاف طن متوفرة فعليا، إضافة إلى 302 ألف طن إما في انتظار الوصول أو في طريقها إلى المخازن، فيما يغطي مخزون الشعير مدة مماثلة تقارب تسعة أشهر ونصف الشهر. أما مخزون السلع الأساسية الأخرى كالأرز والسكر والزيوت، فلا يغطي أكثر من أربعة أشهر، وهي مدة أقل نسبيا وإن كانت نتاج سياسة تخزين منضبطة وجه بها جلالة الملك.
وقال الزعبي إن الاستمرار في متابعة المخزون وحفظه أمر قائم، غير أن الاطمئنان إليه وحده لا يكفي، موضحا أن المخزون الاستراتيجي ليس ضمانا غذائيا بقدر ما هو عداد للوقت، يمنح الدولة فترة تتحرك خلالها دون أن يحل محل قدرتها على الإنتاج أو على الاستيراد المستمر. وأضاف أن المخزون الاستراتيجي في جوهره أداة مالية ولوجستية أكثر منه أداة زراعية، وهو يعتمد على توفر القطع الأجنبي وعلى منفذ بحري وحيد في العقبة، وعلى ممر بحري أثبتت السنوات الأخيرة إمكانية تعطله خلال أيام قليلة. ولفت إلى أن الحلقة الأضعف في المنظومة ليست القمح، بل الأرز والزيوت والسكر، وهي سلع لا يُنتج منها الأردن شيئا يذكر ولا يملك لها بديلا محليا.
وفيما يخص «العودة إلى الأرض»، رأى الزعبي أنها تحتاج إلى الصراحة ذاتها التي يستدعيها الحديث عن المخزون. فموسم 2026 كان استثنائيا من حيث كمية الأمطار وتوزيعها الجيد بين تشرين الثاني ونيسان، إذ بلغ إنتاج الحبوب نحو 150 ألف طن، بزيادة تجاوزت 50%عن متوسط السنوات الخمس السابقة وفق منظمة الأغذية والزراعة. ومع ذلك، لا يغطي هذا الإنتاج سوى نحو 10 % من احتياجات المملكة من الحبوب، أي ما يكفي 25-30 يوما فقط، في وقت تقارب فيه احتياجات الاستيراد للموسم التسويقي 2027/2026 ثلاثة ملايين طن.
وأشار إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الزراعية عموما وصلت إلى نحو 62%، مع وجود فائض في الدواجن والبيض وقدرة جيدة في إنتاج الألبان والخضار، وقد سجل القطاع الزراعي نموا بلغ 7.4% خلال عام 2025. غير أن هذا الاكتفاء يعتمد في معظمه على أعلاف مستوردة وعلى طاقة مستوردة ومياه جوفية مستنزفة. وبين أن أمن الأعلاف يشكل العمود الخفي للأمن الغذائي في المملكة، فانقطاع الإمداد منها كفيل بوقف إنتاج الدواجن واللحوم والألبان خلال أسابيع قليلة.
وحول الخيارات المتاحة لتعزيز الأمن الغذائي بما يتجاوز التخزين، دعا الزعبي إلى تنويع مصادر الاستيراد عبر استخدام ممرات برية وبحرية متعددة، وتوزيع الطاقة التخزينية جغرافيا بدلا من تركيزها في مكان واحد، إلى جانب الانتقال من الشراء الموسمي إلى عقود إمداد طويلة الأجل وشراكات سيادية مباشرة مع دول المنشأ. كما دعا إلى إدراج الأعلاف والبذور والأسمدة ضمن نظام المخزون الاستراتيجي، معتبرا أن هذا المخزون لا يجوز أن يقتصر على حبوب الاستهلاك البشري فقط، ذلك أن المخزون الذي يحافظ على الخبز لا يحافظ بالضرورة على المزرعة إذا كان ناقصا.
ودعا الزعبي أيضا إلى إعادة تعريف «العودة إلى الأرض» بمنطق مائي، عبر توسيع استخدام المياه المعالجة والزراعة المحمية والزراعة المائية، وجمع مياه الأمطار في البادية لاستخدامها في زراعة الشعير والزيتون ورعاية المراعي، إلى جانب تحديث نظم الري في وادي الأردن وربط الدعم الزراعي بإنتاجية وحدة المياه بدلا من ربطه بوحدة المساحة، مع التأكيد على أن الحديقة المنزلية تبقى ممارسة تربوية ومجتمعية قيمة، لا سياسة إنتاج وطنية بديلة.
وأشار إلى أن الحد من هدر الطعام يمثل الخيار الأرخص والأسرع أثرا، إذ يضيع كل مواطن أردني في المتوسط نحو 81 كيلوغراما من الطعام سنويا، وأن السبب الأكبر لهذا الهدر يعود إلى الأسرة لا إلى السوق، مبينا أن خفض هذا الهدر إلى ثلثه الحالي كفيل بإضافة أسابيع حقيقية إلى المخزون الغذائي الوطني، دون الحاجة إلى قطرة مياه إضافية.
وختم الزعبي بالإشارة إلى البعد العربي في معادلة الأمن الغذائي، لافتا إلى اعتماد الخطة العربية للأمن الغذائي في قمة بغداد عام 2025، والتي تمنح الأردن ما لا توفره جغرافيته، من خلال الشراكة في سلال غذاء عربية في كل من السودان والعراق ومصر، واستيراد ما وصفه بـ"المياه الافتراضية» على شكل حبوب تزرع في أماكن يتوفر فيها الماء، بدلا من محاولة استنزافه من أرض جافة.