كتاب

عودة الإيبولا و السيطرة على الوباء

لم يعد الحديث عن الإيبولا مجرد استعادة لذكريات أوبئة سابقة في أفريقيا. فما يجري اليوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية يعيد هذا الفيروس إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي، ليس فقط بسبب أعداد الإصابات والوفيات، بل لأن المؤشرات الميدانية تكشف عن تحديات حقيقية في القدرة على اكتشاف سلاسل العدوى واحتوائها في الوقت المناسب، حيث قالت الأمم المتحدة ان تفشي الايبولا الحالي 'هو الاسرع انتشارا على الأطلاق'.
فحتى منتصف الشهر الحالي ( اب) 2026، بلغ عدد الحالات المؤكدة أكثر من 4,945 حالة، بينها نحو 2,325 وفاة، بمعدل إماتة يقارب 47%، وانتشر المرض في عشرات المناطق الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وهذه الأرقام تجعل التفشي الحالي، الناجم عن فيروس Bundibugyo، واحدًا من أكثر التفشيات إثارة للقلق.
لكن الرقم وحده لا يروي القصة كاملة. فالأكثر أهمية هو أن نسبة كبيرة من الحالات الجديدة يتم اكتشافها بين أشخاص لم يكونوا مدرجين أصلًا ضمن قوائم المخالطين، كما أن عددًا مهمًا من الوفيات يحدث داخل المجتمعات وليس في المرافق الصحية. وهذه ربما تكون أخطر إشارة في المشهد الحالي؛ لأنها تعني أن هناك سلاسل انتقال لا تزال بعيدة عن أعين فرق الترصد والتقصي.
وهنا يكمن أحد أهم دروس الإيبولا: السيطرة على الوباء تبدأ قبل وصول المريض إلى مركز العلاج. فكلما تأخر اكتشاف الحالة، زادت احتمالات انتقال العدوى داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك فإن الترصد الفعال، وسرعة التشخيص، وتتبع المخالطين، والعزل المبكر، والدفن الآمن، والتواصل المجتمعي ليست إجراءات مساندة، بل هي جوهر السيطرة على التفشي.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما ينتشر المرض في مناطق تعاني أصلًا من النزاعات والنزوح وضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى بعض المجتمعات. كما أن فقدان الثقة بين السكان والمؤسسات الصحية يمكن أن يتحول إلى عائق لا يقل خطورة عن الفيروس نفسه. وهذا درس يتكرر في الأوبئة: لا يمكن مكافحة المرض بالأدوات الطبية وحدها إذا لم يثق الناس بالنظام الصحي وبمن يقود الاستجابة.
أما التحدي الآخر، فيتعلق بالأدوات و المستلزمات الطبية المتاحة لمواجهة هذا النوع من فيروس الإيبولا. فاللقاحات والعلاجات المستخدمة حاليا ضد أنواع أخرى من الفيروس لا يمكن افتراض فعاليتها تلقائيًا ضده، وهو ما يجعل البحث العلمي والتجارب السريرية وتطوير أدوات أكثر فاعلية جزءًا أساسيًا من الاستجابة.
ما يحدث اليوم ليس شأنًا أفريقيًا بعيدًا عنا. ففي عالم تتسارع فيه حركة البشر والأمراض عبر الحدود، تصبح قوة النظام الصحي في أي دولة جزءًا من الأمن الصحي للجميع.
والرسالة الأهم من عودة الإيبولا واضحة: لا يكفي أن نكون قادرين على الاستجابة للوباء بعد انتشاره؛ المطلوب أن نبني أنظمة قادرة على اكتشافه قبل أن يسبقنا. فالأمن الصحي الحقيقي يبدأ بالاستباق، لا برد الفعل.