اختيار الصين كشريك في هذه المرحلة له دلالاته. دولة استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل إلى موقع متقدم عالمياً، وأن تبني اقتصاداً يقوم على الإنتاج والتكنولوجيا والاستثمار في الإنسان، تستحق أن ننظر إلى تجربتها بجدية، لا باعتبارها تجربة بعيدة عنا، وإنما باعتبارها واحدة من التجارب التي يمكن أن نتعلم منها الكثير.
والأردن من جهته لا يذهب إلى الصين خالي الوفاض. لدينا موقع جغرافي مهم، واستقرار سياسي، وعلاقات جيدة مع مختلف الأطراف، ولدينا قطاعات يمكن أن تكون جاذبة للاستثمار والتعاون، خصوصاً في الطاقة والنقل والسياحة والتكنولوجيا والتعليم.
لكن السؤال الأهم بالنسبة لنا ليس: ماذا سنوقّع مع الصين؟
السؤال الذي يستحق أن نسأله هو: ماذا نريد فعلاً من هذه العلاقة؟
نحن بحاجة إلى شراكات تترك أثراً في الاقتصاد الأردني، وتفتح فرصاً جديدة أمام الشباب، وتساعد في نقل الخبرة والتكنولوجيا، وتدعم المشاريع التي يمكن أن تستمر وتكبر. فالأردن لا يحتاج إلى اتفاقيات توضع في الملفات ثم تُنسى، وإنما يحتاج إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته وفرصه ومستقبل أبنائه.
وأعتقد أن التعليم والبحث العلمي يجب أن يكونا في مقدمة هذه العلاقة. فالصين لم تصل إلى ما وصلت إليه فقط بسبب المصانع والاستثمارات، وإنما لأنها أدركت مبكراً أن بناء الإنسان جزء أساسي من بناء الدولة. ونحن في الأردن لدينا جامعات وكفاءات وعقول شابة قادرة على الاستفادة من أي تعاون حقيقي في هذا المجال.
ومن أكثر ما أراه مهماً في العلاقة مع الصين أن ننظر إلى التجربة الصينية بعين مختلفة، لا أن نحاول تقليدها، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، وإنما أن نفهم كيف استطاعت أن تضع أهدافاً واضحة وتعمل عليها لسنوات طويلة دون أن تتعامل مع كل مرحلة وكأنها منفصلة عن المرحلة التي تليها. نحن في الأردن نملك الكثير من الكفاءات والأفكار، لكننا أحياناً نحتاج إلى أن نمنح الفكرة وقتها، وأن نتابعها حتى تتحول إلى نتيجة، وأن نؤمن بأن الإنجاز الحقيقي لا يأتي دفعة واحدة.
وهنا أرى أن زيارة جلالة الملك تحمل رسالة أبعد من الجانب الاقتصادي. فالأردن يتعامل مع عالم تتغير فيه موازين القوى، ومن الطبيعي أن يحرص على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول والقوى الدولية. والصين دولة لها حضور كبير في الملفات الدولية، ودورها في القضايا السياسية والاقتصادية يتوسع عاماً بعد عام.
كما أن الموقف الأردني من القضية الفلسطينية يبقى حاضراً في تحركه السياسي الخارجي. والأردن، بحكم موقعه ودوره، معني بأن تكون له علاقات قوية مع الدول التي تستطيع أن يكون لها تأثير في القضايا التي تمس المنطقة ومستقبلها.
لكن كل ذلك يحتاج إلى ما بعد الزيارة.
فالزيارة الناجحة ليست التي تنتهي بالصور والأخبار، وإنما التي تبدأ نتائجها بالظهور بعد عودة الوفد. وهنا يأتي دور المؤسسات الأردنية في المتابعة، ودور القطاع الخاص في البحث عن الفرص، ودور الجامعات في بناء التعاون العلمي، ودور الجهات المعنية في تحويل العلاقات السياسية إلى مشاريع حقيقية.
الصين تنظر إلى المستقبل بطريقة طويلة المدى، والأردن أيضاً بحاجة إلى أن ينظر إلى علاقاته الدولية بالطريقة نفسها. فليس المطلوب أن نحصل على نتيجة سريعة فقط، وإنما أن نبني علاقة يمكن أن تتطور عاماً بعد عام، وأن يستفيد منها الاقتصاد والتعليم والاستثمار والشباب.
وفي رأيي، فإن الأردن يستطيع أن يجعل من علاقته مع الصين نموذجاً لشراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، بعيداً عن فكرة أن دولة كبيرة تقدم ودولة أصغر تستقبل. نحن نملك ما نقدمه، والصين تملك ما يمكن أن تضيفه، والنجاح الحقيقي يبدأ عندما يعرف كل طرف قيمة ما لدى الطرف الآخر.
زيارة جلالة الملك إلى الصين تفتح باباً مهماً، لكن فتح الباب وحده لا يكفي. المهم ماذا سنفعل بعد أن يُفتح؟
فالفرص لا تأتي دائماً مرتين، والعلاقات الدولية لا تُبنى بزيارة واحدة. وما نحتاجه اليوم هو أن نلتقط هذه الفرصة، وأن نحول العلاقة الأردنية الصينية من علاقة جيدة إلى شراكة أكثر حضوراً في الاقتصاد والتعليم والاستثمار والتكنولوجيا.
الأردن لا يبحث عن شريك يملك المال فقط، بل عن شريك يملك الخبرة والرؤية، ونحن بدورنا نملك الموقع والكفاءة والقدرة على أن نكون جزءاً من هذه الشراكة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية بعد انتهاء الزيارة.