مع إعلان نتائج التوجيهي وفتح باب القبول الموحد، الذي يُغلق في العشرين من آب، تدخل آلاف الأسر الأردنية أسبوعاً من الحيرة أمام سؤال واحد: أي تخصص نختار؟
وغالباً ما يُتخذ هذا القرار بناءً على انطباع عام أو نصيحة قريب، من دون الاستناد إلى معلومات واضحة عن فرص العمل وحاجة السوق. وهنا تبدأ المشكلة قبل اختيار التخصص نفسه.
في تشرين الأول 2025، أُعدّت دراسة 'تحليل فجوة العرض والطلب على المهارات الرقمية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن' من قبل 'إنتاج' و'Better Business' بإشراف جمعية المهارات الرقمية، ضمن الجهود المرتبطة بمشروع 'الشباب والتكنولوجيا والوظائف'. واستندت الدراسة إلى تحليل 965 إعلاناً وظيفياً، ومسح شمل 340 طالباً و559 خريجاً و80 أكاديمياً، ومراجعة 41 خطة دراسية في ثماني جامعات.
وتحمل الدراسة مؤشرات إيجابية وأخرى تستدعي الانتباه. فقد قيّمت المهارات التقنية لدى الخريجين بـ3.5 من 5، بينما بلغ المؤشر العام لجاهزية الكوادر الرقمية 2.4 من 5. كما يحصل ما بين 35 و40% من الخريجين على وظيفة مرتبطة بتخصصهم خلال السنة الأولى.
وعند النظر إلى إعلانات الوظائف التي حللتها الدراسة، تركز 46% منها في تطوير التطبيقات والبرمجيات، و24% في الشبكات والأمن السيبراني، و18% في البيانات والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات يتوقع استمرار الطلب عليها حتى عام 2027.
وفي المقابل، تغطي موضوعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العميقة 49% من الخطط الدراسية، مقابل 37% للحوسبة السحابية و'DevOps'، فيما تحمل 11% فقط من البرامج اعتماداً دولياً. ويبلغ متوسط مراجعة الخطط نحو أربع سنوات، بينما تستطيع المعسكرات التدريبية التقنية تحديث برامجها كل ستة أشهر.
وهنا تكمن رسالة مهمة للطلبة: مسؤولية مواكبة التطور لا تقع على الجامعة وحدها. فالتكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة، وما يتعلمه الطالب اليوم قد لا يكون كافياً عند تخرجه. لذلك يجب أن يبدأ تطوير الذات منذ السنة الجامعية الأولى، من خلال التدريب العملي، والدورات والشهادات المهنية، والمشاريع التطبيقية، وبناء ملف أعمال، ومتابعة أحدث التطورات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والبيانات وتطوير البرمجيات.
ومن المهارات التي لا ينبغي للطالب تأجيل تطويرها اللغة الإنجليزية. فهي في قطاع التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل أداة للوصول إلى أحدث المعرفة التقنية، وقراءة الوثائق والأبحاث، والحصول على الشهادات المهنية، والتعامل مع الأدوات والمنصات العالمية، والتواصل مع العملاء والأسواق الإقليمية والعالمية. ومع توسع الشركات الأردنية في تصدير خدماتها، تصبح الإنجليزية جزءاً مهماً من قدرة الخريج على المنافسة.
وفي هذا السياق، يأتي قرار مجلس التعليم العالي برفع الحد الأدنى لمعدل القبول في تخصصات كليات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي إلى 75% اعتباراً من العام الجامعي 2026/2027، وهو في تقديري خطوة صحيحة نحو التركيز على جودة المخرجات،
ولا تتوقف الفجوة عند المهارات التقنية؛ إذ يرى 77% من أصحاب العمل ضعفاً لدى الخريجين في التواصل والعمل الجماعي والتكيف في بيئة العمل. كما تشير الدراسة إلى أن خريجي المعسكرات التدريبية التقنية يحققون معدل توظيف يبلغ 63% خلال 12 شهراً، مقابل نحو 45–50% لخريجي الجامعات، بما يؤكد أهمية التكامل بين التعليم الأكاديمي والتدريب العملي.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن 72% من الطلبة يتركزون في المنطقة الوسطى مقابل 7% في الجنوب، وأن 13% فقط من إعلانات الوظائف تتيح العمل عن بُعد أو الهجين. كما تشكل الاناث نحو 41% من طلبة 'تكنولوجيا المعلومات والاتصالات'، لكنهن لا يشغلن سوى 4% من المناصب القيادية.
ويستهدف الأردن، وفق رؤية التحديث الاقتصادي، توفير 101 ألف وظيفة رقمية بحلول 2033، فيما تشير سيناريوهات الإصلاح إلى إمكانية رفع استيعاب الخريجين إلى 60–80%.
وللوصول إلى ذلك، نحتاج إلى جامعات تُسرّع تحديث خططها، ونستثمر في تطوير هيىاتها التدريسية: وشركات توفر التدريب وتوظف على أساس المهارات، وسياسات توسع الفرص خارج عمّان، وطالب يدرك أن الشهادة بداية الطريق وليست نهايته.
لقد انتهى التوجيهي، لكن القرار الأهم لم يبدأ بعد. والاختيار الصحيح لا يتعلق فقط باسم التخصص، بل بقدرة الطالب على التعلم المستمر، وتطوير مهاراته، وإتقان الإنجليزية، ومواكبة سوق عمل يتغير بسرعة.
*الرئيس التنفيذي لجمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات 'إنتاج'
التوجيهي انتهى… والقرار الأصعب لم يبدأ بعد
08:52 14-8-2026
آخر تعديل :
الجمعة