في معان، لم تكن عبارة جلالة الملك عبدالله الثاني: " بلد النشامى ما عليها خوف" مجرد جملة عابرة في لقاء مع أبناء المحافظة، بل كانت رسالة ملكية تختصر الكثير مما يحتاج الأردنيون إلى سماعه في هذه المرحلة؛ رسالة ثقة بالدولة، وطمأنينة إلى قدرتها على حماية نفسها، وإيمان بالأردنيين ومؤسساتهم، وإصرار على أن يستمر الوطن في البناء مهما اشتدت الظروف من حوله.
فالمنطقة تعيش ظروفاً استثنائية، والأحداث تتسارع حول الأردن، والمواطن يتابع بقلق ما يجري في الإقليم وما قد يتركه من انعكاسات سياسية وأمنية واقتصادية. وفي مثل هذه الظروف تأتي كلمات الملك واضحة ومباشرة: الأولوية لمصلحة الوطن، والأردن قادر على حماية أرضه وأجوائه، ونشامى القوات المسلحة الأردنية–الجيش العربي والأجهزة الأمنية مستمرون في أداء واجبهم والتصدي لأي اعتداء يستهدف المملكة.
" بلد النشامى ما عليها خوف" ليست شعاراً للاستهلاك، بل تعبير عن ثقة قائد يعرف مؤسسات دولته، ويعرف جيشه وأجهزته الأمنية، ويعرف شعبه وقدرته على التماسك في الأوقات الصعبة. وهي في الوقت ذاته رسالة بأن الأردن، رغم كل ما يحيط به، لا يريد أن يعيش أسيراً للقلق، بل دولة تتحرك وتحمي وتبني وتبحث عن الفرص.
وهنا تبرز أهمية الزيارات الميدانية التي يحرص عليها جلالة الملك إلى المحافظات. فالزيارة الملكية إلى معان لم تكن زيارة بروتوكولية، بل جاءت للاستماع والاطلاع والمتابعة؛ من الخدمات والبنية التحتية إلى التعليم والصحة والنقل والاستثمار والتنمية المحلية، ومن لقاء الوجهاء وممثلي الأهالي إلى الحوار المباشر مع الشباب والشابات في مركز القنطرة لتنمية الموارد البشرية.
هذا هو النهج الملكي الذي اعتدناه: أن تكون عمّان حاضرة في المحافظات، وأن تصل المحافظات باحتياجاتها وصوت أهلها مباشرة إلى مركز القرار.
واللافت أن جلالة الملك لم يكتفِ بالحديث عن أهمية العمل الميداني، بل وجّه الحكومة إلى وضع ملف تطوير الخدمات والبنية التحتية في معان ضمن أولوياتها، وشدد على استمرار المسؤولين في زياراتهم الميدانية لخدمة المواطنين وتحديد احتياجاتهم. وهنا تصبح الزيارة الملكية رسالة إلى المسؤول أيضاً: المكتب وحده لا يكفي، والتقارير لا تغني عن رؤية الواقع والاستماع إلى الناس.
وفي معان، حضرت التنمية بلغة المشاريع لا الأمنيات. تحدث رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان عن مشروع ميناء العقبة–معان البري، وربطه بسكة الحديد بين العقبة والشيدية، وعن معالجة تحديات الاستثمار في منطقة معان التنموية، والنقل المدرسي، والمدارس والمشاريع الصحية ومستشفى معان العسكري. وهي ملفات تؤكد أن المحافظات يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من المشروع الاقتصادي الوطني، لا أن تبقى التنمية متمركزة في العاصمة.
لكن البعد الآخر المهم في حديث جلالة الملك كان الاقتصاد.
فالملك عاد أخيراً من زيارة إلى المملكة المتحدة ركزت، إلى جانب أبعادها السياسية، على تعزيز فرص الاستثمار في الأردن وبناء شراكات اقتصادية جديدة. والأهم أنه كشف في معان عن زيارات مرتقبة إلى عدد من الدول الكبرى، هدفها فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية واستقطاب استثمارات نوعية إلى المملكة.
وهذه رسالة بالغة الأهمية.
فالملك يتحرك في الخارج حاملاً معه الملف الاقتصادي الأردني، مستثمراً مكانة الأردن وعلاقاته الدولية لفتح الأبواب أمام الاقتصاد الوطني. وفي عالم تشتد فيه المنافسة على الاستثمار والأسواق، تصبح الدبلوماسية الاقتصادية واحدة من أهم أدوات الدول، ويصبح كل لقاء ملكي مع قائد أو حكومة أو مؤسسة اقتصادية فرصة يجب أن تتحول إلى استثمار أو سوق أو شراكة أو فرصة عمل.
لقد استطاع جلالة الملك، عبر سنوات طويلة، أن يبني للأردن شبكة واسعة من العلاقات الدولية، وأن يحافظ على حضور المملكة واحترامها رغم اضطراب المنطقة. واليوم يجري توظيف هذا الرصيد السياسي بصورة متزايدة لخدمة الاقتصاد الوطني.
ومن هنا فإن الزيارات الملكية المرتقبة إلى الدول الكبرى يجب ألا تُقرأ باعتبارها مجرد نشاط دبلوماسي، بل باعتبارها جزءاً من جهد اقتصادي ملكي متواصل لفتح أبواب جديدة للأردن.
لكن فتح الأبواب في الخارج يحتاج إلى من يدخل منها في الداخل.
فالفرصة التي يجلبها التحرك الملكي تحتاج إلى حكومة تتابعها، ومؤسسات تزيل العقبات أمامها، وقطاع خاص يلتقطها، وإدارة عامة تتحرك بسرعة تتناسب مع حجم المنافسة الدولية على الاستثمارات والأسواق. النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد اللقاءات والاتفاقيات، وإنما بما يتحول منها إلى مصانع وشركات وصادرات وفرص عمل ودخل للمواطن.
وهذا ما يجعل زيارة معان ذات دلالة تتجاوز حدود المحافظة. فالرسالة الملكية جمعت بين الأمن والتنمية والاقتصاد والعمل الميداني: دولة تحمي حدودها وأجواءها، وقيادة تذهب إلى الناس في محافظاتهم، ومشاريع تنموية يجري دفعها إلى الأمام، وتحرك خارجي لفتح الأسواق وجذب الاستثمارات.
وسط منطقة مثقلة بالأزمات، لا يستطيع الأردن أن يختار جغرافيته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يدير تحدياتها. ولا يستطيع أن يمنع كل الأزمات من حوله، لكنه يستطيع أن يبني دولة قوية بمؤسساتها، متماسكة بشعبها، محمية بجيشها وأجهزتها الأمنية، ومنفتحة اقتصادياً على العالم.
ولهذا ربما كانت أبسط كلمات الملك في معان هي الأكثر تعبيراً عن المشهد كله:
" بلد النشامى ما عليها خوف"
نعم، لا خوف على بلد يقف جيشه وأجهزته الأمنية على حمايته، ويقف شعبه خلف دولته، ويتحرك قائده بين المحافظات للاستماع إلى الناس، وبين عواصم العالم لفتح الأبواب أمام اقتصاد وطنه.
لكن الثقة التي حملتها العبارة الملكية تحمل معها مسؤولية أيضاً: أن نحافظ على هذه المنعة بالعمل، وأن تتحول الزيارات الملكية والمشاريع والفرص إلى نتائج يلمسها المواطن في معان كما يلمسها في كل محافظة.
فالأردن لا يريد فقط أن يتجاوز الأزمات من حوله، بل أن يخرج منها أقوى. وهذه، في جوهرها، رسالة معان.