تحويل المواجهة إلى حرب اقتصادية دون إيجاد حل سياسي شامل وعادل لقضايا المنطقة، يمثل رهانا غير محسوب، لأن إيران قد تستغل فترة التهدئة لإعادة بناء برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية وطائراتها المسيرة، وبالتالي إعادة إستخدامها ضد دول المنطقة، فالشيء الوحيد الذي يوقف الحرب، إيجاد حل جذري لأسبابها، كما أن إستمرار حالة التأهب العسكري يعد مكلفاً إقتصاديا على جميع الأطراف، فليس من مصلحة أي دولة إستمرار تصنيف المنطقة على أنها منطقة مشتعلة، ومنطقة نزاع وتوتر، الأمر الذي يؤدي لتحديات إقتصادية جمة كمنطقة غير آمنة للمستثمرين والسياح والأعمال.
خطاب الإدارة الأمريكية الأخير، يميل إلى التهدئة والتوصل لاتفاقات وإعادة إعمار قطاع غزة وجنوب لبنان ومناطق أخرى، ، بينما يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى تأجيج المنطقة وساحات القتال من أجل مواجهة الضغوط من داخل ائتلافه ومن قاعدته اليمينية التي ترفض ما تسميه " تقديم تنازلات"،ويضع ذلك نتنياهو أمام معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الأميركية والحفاظ على تماسك ائتلافه ومصالحه الانتخابية.
فالضفة الغربية اليوم، تحتل موقعا بارزا في التصعيد الإسرائيلي مع التحذيرات من أن تصاعد عنف المستوطنين وتوسع البؤر الاستيطانية على حساب أراضي الفلسطينيين ومواردهم الطبيعية وثروات بلادهم، عبر الضم التدريجي غير المعلن، قد يحولها إلى جبهة جديدة قابلة للانفجار في أية لحظة، خصوصا وأن الاعتبارات السياسية والانتخابية بدأت تؤثر في طريقة تعامل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مع التطورات الميدانية، الأمر الذي قد يفاقم التوتر ويجعل الضفة والقدس ساحة مواجهة مشتعلة في المرحلة المقبلة.
كما أن أحد ابرز المتغيرات الناتجة عن الحرب، التحالفات الجديدة وابرزها الإتفاق السعودي-التركي-الباكستاني، واحتمال ان ينجم عنه اتساع في دائرة سباق التسلح وتعزيز الطلب على الأسلحة، والسعي لإمتلاك السلاح النووي في المنطقة، مع وجود قناعة راسخة لدى عواصم كبيرة بأهمية الردع النووي، ما يفرض على القوى الأقليمية، وحتى العالمية، إعادة التفكير في مفهوم الردع الذي اعتمدت عليه لعقود، فالتغير في موازين القوى لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية التقليدية، وإنما بات مرتبطا أيضا بالقدرات النووية والتحالفات الاقتصادية والأمنية الجديدة.
في الداخل الإسرائيلي، تتكشف التصدعات السياسية كل يوم، مع تراجع هامش المناورة الإسرائيلي الساهر على تأجيج الأوضاع وإشعال المنطقة ، فالصراع داخل حزب شاس حول قانون التجنيد يعكس أزمة أوسع داخل الائتلاف، فيما تطرح الدعوة إلى سن تشريعات حول ضرورة إخضاع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمزيد من الرقابة والتشريع، وملفات أخرى، ما يعكس خلافا عميقا حول العلاقة بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية في اسرائيل.
المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة تعريف بالكثير من المسلمات التي ترسخت في المنطقة منذ بداية الوجود الإسرائيلي في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني الأعزل، فإسرائيل التي يحكمها إتجاه يميني يدعو للتمسك بالقوة ويرفض السلام، لم تعد تواجه جبهة واحدة، بل شبكة من التحديات تمتد من إيران إلى غزة ولبنان والضفة الغربية، وعليه، لم يعد السؤال الأساسي المطروح اليوم فقط كيف تنتصر في الحرب، بل كيف تتعامل مع التحديات الجديدة والمتغيرات المتسارعة فيها؟.وهل القوة العسكرية وحدها تجلب الأمن للإسرائيليين؟ وما هي طبيعة التحالفات والتعاون الإقتصادي والطاقوي ما بعد الحرب؟.