إن التعرف على مؤشرات سوق العمل أمرٌ محمود بلا شك، لكن المأساة تبدأ عندما تتحول هذه الأرقام إلى أحكام نهائية تحاصر أحلام أبنائنا. إن السوق ليس كائناً جامداً، بل هو حراك دائم تتغير فيه التكنولوجيا والاقتصاد بلمح البصر؛ فلا يوجد تخصص يضمن وظيفة مريحة إلى الأبد، ولا يوجد مجال محكوم عليه بالاندحار التام. ما يصنع الفارق الحقيقي ليس اسم الشهادة المعلقة على الجدار، بل الروح التي تدب في صاحبها؛ قدرته على التعلم الشغوف، والتطوير الذاتي، وتحويل المعرفة إلى قيمة تلمس حياة الناس وتحدث الفرق.
قد يتخرج مئات الطلبة من القاعة نفسها ويتسلمون الورقة ذاتها، لكن أحدهم يمتلك شرارة التساؤل فيصبح باحثاً متميزاً، وآخر يحمل روح المبادرة فيؤسس مشروعاً يفتح فيه أبواب الرزق لغيره، وثالث يطوّر خدمة تجعل حياة مجتمعه أسهل. لهذا السبب تحديداً، حان الوقت لننتقل من السؤال التقليدي الخائف: "ما التخصص المطلوب في السوق؟" إلى سؤال أشد نضجاً وإنسانية: "كيف أصنع من شغفي وتخصصي قيمة يحتاجها العالم؟ “فالشهادة ليست سوى نقطة انطلاق، أما المهارة والقدرة على التكيف فهما القاطرة التي تعبر بنا أمواج هذا العالم السريع.
وهنا، يجدر بنا ألا نتعامل مع الشغف بوصفه رفاهية عاطفية أو ترفاً خيالياً. فالطالب الذي يختار مساراً ينسجم مع اهتمامه وقدراته، يكون أكثر استعداداً للسهر، والصبر على صعوبات التعلم، والتجريب دون أن ينطفئ نوره الداخلي. لكن الشغف وحده قد يتعثر إن لم يسنده الوعي؛ فالمعادلة الأكثر نضجاً هي أن يعانق الشغف مهارات العصر؛ أن يلتقي الحب الأكاديمي بإتقان اللغات، ومهارات التواصل البشري، وإدارة المشاريع، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وروح الريادة التي تجعل من الطالب صانع فرصة لا منتظراً لها.
ولأن الإنسان كائن متعدد الآفاق، لم تعد التخصصات جزراً معزولة يحيط بها الأسلاك الشائكة. إن خريج التاريخ اليوم يستطيع أن يزاوج بين حبه للماضي وأدوات تحليل البيانات، وخريج القانون يملك أن يقتحم عالم التكنولوجيا القانونية، وخريج اللغة يملك آفاقاً جديدة في الترجمة الرقمية وصناعة المحتوى. دور الجامعة لم يعد مجرد "مصنع شهادات" يضخ خريجين بنسخ مكررة، بل يجب أن تكون مساحة حية تتيح التعلم العابر للتخصصات، وتصقل التجارب التطبيقية التي تحول المعرفة النظرية إلى قدرة حقيقية على الإنجاز.
وفي أردننا العزيز، نحن بحاجة ماسة إلى حوار دافئ وهادئ حول فلسفة القبول الجامعي. لا أحد ينادي بإلغاء المعايير الأكاديمية أو إرهاق الطاقة الاستيعابية للجامعات، لكن من حق هذا الشاب في مقتبل عمره أن يمنح مساحة أوسع للاختيار المسؤول. إن بناء نظام أكثر مرونة يتيح للطلبة تجربة المسار الذي يتوقون إليه ضمن ضوابط واضحة، وتصحيح الوجهة مبكراً إذا اكتشفوا عدم ملاءمتها، هو أرحم بأبنائنا وأجدى لمجتمعنا. إن الخطأ في اختيار التخصص ليس إخفاقاً يوصم به الطالب، بل إن الفشل الحقيقي هو أن يحكم على طالب بقضاء سنوات من شبابه في مسار يطفئ شغفه فقط لأن النظام يرفض منحه فرصة للتغيير.
وهنا تتجلى أهمية الإرشاد المهني القائم على الفهم والاحتواء؛ أن نجلس مع الطالب كإنسان، لنفهم تطلعاته، ونشرح له طبيعة الدراسة والمهارات والمسارات والبدائل المتاحة، ثم نترك له حريّة اتخاذ القرار بوعي ورشد. فالإرشاد الحقيقي يبني إنساناً يستشعر المسؤولية عن خياراته، بينما الوصاية وتفصيل الخيارات نيابة عنه تجعله يحمل الآخرين تبعات تعثره.
إن الجامعة ليست مجرد خط إنتاج للموظفين، بل هي فضاء إنساني واسع للمعرفة، والبحث، والابتكار، وصناعة الفرص. لذلك، دعونا لا نختار لأبنائنا تخصصاتهم بدافع الخوف من غدٍ مجهول، بل لنغرس فيهم المعرفة والشغف والمهارة وروح المبادرة، ونبني الإنسان فيهم أولاً... ليكونوا هم القادرين على صناعة مستقبلهم بأيديهم.