قارئنا الكريم أكتب هذه الحروف لأولئك الأشخاص الذين يمتنعون عن تقديم التهاني للناجح بحجة عدم التهنئة عندما كان في بيتهم ناجح، ولا يعودون مريضا (بالرغم من الوصية الإلاهية لو زرته لوجدتني عنده). ولا يرحبون بمغترب عاد لوطنه بعد طول غياب، ولا يسألون عنك إلا بعد أن تسأل عنهم، ولا يطمئنون على مريضك إلا إذا كنت قد سبقتهم إلى السؤال عن مرضاهم. حتى مشاعرهم أصبحت خاضعة لقاعدة غريبة: أعطني أولًا، أعطك ثانيًا. وقد يتجاوز إلى أعظم من ذلك (اخدمني وأنا سيدك). تتعامل معهم فتشعر أنك لا تتعامل مع إنسان، بل مع دفتر حسابات مفتوح؛ كل موقف فيه له فاتورة، وكل معروف له إيصال، وكل زيارة تنتظر زيارة مقابلة، وكل تهنئة تبحث عن تهنئة تسبقها أو تلحقها.والأغرب أنهم قد يتحدثون كثيرًا عن صلة الرحم، والمروءة، والوفاء، والطيبة، لكنهم حين تأتي لحظة الاختبار الحقيقي، يسألون سؤالًا واحدًا: وماذا فعل لنا؟وهنا تكمن المشكلة.
فالخير الذي يُفعل انتظارًا لخير مقابله ليس خيرًا خالصًا، والمودة التي لا تتحرك إلا إذا تحرك الطرف الآخر ليست مودة، والرحم الذي لا يُوصل إلا لمن وصله أولًا تتحول إلى علاقة تجارية لا علاقة إنسانية. فنقاء السريرة والقلب لا ينتظر مقابلاً.
قارئنا الفاضل بعض الناس لا يستطيع أن يفرح لفرحك إلا إذا كنت قد فرحت لفرحه من قبل. إذا حصلت على ترقية، ينتظر أن تبارك له أولًا. إذا اشتريت بيتًا، يتذكر أنك لم تسأل عنه يوم اشترى بيته. إذا مرض أحد أفراد أسرتك، يبحث في ذاكرته: هل اتصلوا بنا عندما مرض أبي؟وهكذا تتحول الحياة إلى محكمة صغيرة، يحمل كل شخص فيها ملف الآخر، ويعدّ عليه الزيارات والاتصالات والتهاني والمواقف، ثم يصدر حكمه: يستحق أن أفعل له أو لا يستحق.
لكن الإنسان النبيل بأصله النقي بحسن ظنه لا يعيش بهذه الطريقة. لا يجعل المعروف صفقة، ولا الصلة مقايضة، ولا الرحمة مشروطة، ولا الموقف الطيب مرتبطًا بحجم ما سيعود إليه. يفعل الخير لأن الخير جزء من أخلاقه، لا لأنه ينتظر عائدًا اجتماعيًا أو كلمة شكر أو ردًا للجميل.
قد تزور مريضًا لم يزرْك يوم مرضت، وقد تبارك لإنسان لم يبارك لك، وقد تسأل عن شخص لم يسأل عنك، وقد تقف إلى جانب إنسان لم يقف إلى جانبك.ليس لأنك ضعيف، ولا لأنك لا تعرف الحساب، بل لأنك تعرف أن جُبلت ونشأت وتربيت على حسن الخُلق ولست رهين لأخلاق الآخرين.
والعجيب أن بعض الناس يظنون أن المبادرة بالخير تقلل من قدرهم. يخافون أن يرسلوا رسالة أولًا، أو يتصلوا أولًا، أو يزوروا أولًا، وكأن من يبدأ بالسلام قد خسر معركة الكرامة.أي كرامة هذه؟
أن تمنع زيارة عن مريض لأن المريض لم يزرك؟ أي عزة في أن ترى إنسانًا يتألم ثم تقول: لم يسأل عني عندما مرضت؟ وأي قلب يستطيع أن يرى فرحة إنسان ثم يقرر أن يحجب عنه التهنئة لأنه لم يتذكره في مناسبة سابقة؟هذه ليست كرامة، بل قسوة ترتدي ثوب الكرامة.
ختامًا، كم وردة وضعت ندمًا على قبر تمنيت أن لو أهديته وردة . فالحياة أقصر من أن نقضيها في تصفية الحسابات. سيمرض الناس، وسيرحلون، وستأتي لحظات نتمنى فيها لو أننا بادرنا باتصال لم نجريه، أو زيارة أجلناها، أو كلمة طيبة بخلنا بها لأننا كنا ننتظر أن يبدأ الآخر.لا تجعلوا الخير مشروطًا. عودوامريضكم، وباركوا لخرجيكم، وعزّوا وواسوا بفقيدكم، وساعدوا من احتاجكم، وصلوا من قطعكم، واحتضنوا المغتربين دون أن تفتحوا دفتر الحساب.فليس المؤمن بالمكافئ؛ الذي لا يفعل الخير إلا إذا فُعل به الخير، ولا يصل إلا من وصله، ولا يعطي إلا من أعطاه.المؤمن الحقيقي يترفععن هذه المعادلات الصغيرة.وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين إنسان تحكمه ردود أفعال الآخرين، وإنسان تحكمه مبادئه.فلا تجعلوا قلوبكم نسخًا من قلوب من أساؤوا إليكم، ولا تجعلوا تقصير الآخرين مبررًا لتقصيركم.افعل الخير، لا لأن الناس يستحقونه دائمًا، بل لأنك أنت تستحق أن تبقى إنسانًا نقيًا نظيفًا.