كتاب

القدس.. جغرافيا تتعرض لإعادة التشكيل

إن قراءة المشهد في القدس لا ينبغي أن تتوقف عند حدود البلدة القديمة أو المسجد الأقصى، فالمدينة تمتد في محيطها الجغرافي والاجتماعي إلى بلدات وأحياء ومناطق تشكل امتداداً طبيعياً لها، وأي تغيير يطال هذه المناطق لا يمكن فصله عن مستقبل القدس وهويتها ومكانتها.
فالقدس اليوم تواجه مساراً متدرجاً لإعادة تشكيل جغرافيتها، لا يعتمد على إجراء واحد، وإنما على منظومة متراكمة من السياسات التي تستهدف الأرض والسكان معاً. وفي سلوان، على سبيل المثال، تتواصل عمليات الإخلاء والهدم والنزاع على الملكية، فيما وثقت الأمم المتحدة في آذار الماضي إخلاء عائلات فلسطينية من بطن الهوى، محذرة من تسارع الجهود الرامية إلى تفريغ محيط البلدة القديمة من الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين.
وتزداد الصورة خطورة عند النظر إلى منطقة E1، التي تقع في موقع جغرافي حساس بين القدس ورام الله وبيت لحم. فالتوسع الاستيطاني في هذه المنطقة لا يتعلق بإضافة تجمعات سكانية جديدة فحسب، بل يحمل آثاراً مباشرة على التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية، وعلى إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار هذه المشاريع يؤدي إلى تفتيت الاستمرارية الجغرافية والديموغرافية الفلسطينية.
وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته 'الضم الزاحف'؛ فالتغيير لا يحدث بالضرورة بقرار واحد معلن، وإنما من خلال سلسلة متراكمة من الإجراءات: استيطان، ومصادرة أراضٍ، وإخلاء سكان، وتغيير في استخدام الأرض، وشق طرق تربط المستوطنات، وتضييق على التوسع العمراني الفلسطيني، ثم تحويل الوقائع الجديدة إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.
وبهذه الطريقة تصبح الخريطة نفسها أداة للصراع السياسي؛ فمن يسيطر على الأرض ويعيد توزيع السكان وشبكات الطرق ومناطق التوسع، يحاول أن يرسم مسبقاً شكل الحل السياسي وحدوده، قبل أن تجلس الأطراف إلى طاولة المفاوضات.
وفي مواجهة هذا المشهد، يحتل الأردن موقعاً استثنائياً في ملف القدس، ليس فقط بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية مع فلسطين، وإنما أيضاً بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ولهذا لم يتعامل الأردن مع القدس بوصفها ملفاً سياسياً موسمياً، بل باعتبارها قضية ثابتة في السياسة الأردنية، مرتبطة بالهوية العربية للمدينة وبحماية مقدساتها والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
وفي الأيام الأخيرة، استضافت عمّان اجتماعاً وزارياً عربياً وإسلامياً لبحث التصعيد في القدس، بمشاركة عدد من الدول العربية والإسلامية، وانتهى الاجتماع إلى موقف مشترك تجاه الإجراءات الإسرائيلية في المدينة ومقدساتها.
وهذا التحرك الأردني يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فعمّان تدرك أن حماية القدس لا يمكن أن تكون مسؤولية فلسطينية وحدها، وأن المساس بالمدينة ومقدساتها يحمل تداعيات تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى الأمن والاستقرار الإقليميين.
كما أن الموقف الأردني ينطلق من حقيقة أن تغيير جغرافية القدس أو فرض واقع جديد فيها لن يبقى محصوراً داخل المدينة، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، وعلى حل الدولتين، وعلى الأمن الإقليمي.
أما عربياً، فإن القدس تحتاج اليوم إلى أكثر من بيانات الإدانة، رغم أهمية الموقف السياسي الموحد. المطلوب هو الانتقال من رد الفعل إلى استراتيجية عربية مستمرة لحماية القدس، تقوم على توثيق الانتهاكات، والتحرك في المؤسسات الدولية، وتعزيز الدعم السياسي والقانوني للوجود الفلسطيني في المدينة، وحماية المقدسات ودعم صمود أهل القدس.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث داخل المسجد الأقصى، وإنما بما يحدث حوله وفي محيطه الجغرافي. وإذا كان المسجد الأقصى يمثل قلب القدس الديني، فإن الأحياء والبلدات والأرض المحيطة به تمثل امتدادها الجغرافي والاجتماعي، وأي تفكيك لهذا الامتداد يهدد مستقبل المدينة ككل.
ومن هنا فإن الدور العربي المطلوب يجب أن ينظر إلى القدس باعتبارها منظومة متكاملة: مقدسات، وسكان، وأرض، وهوية، وتراث، وجغرافيا.
لقد أثبتت التجربة أن أخطر التحولات هي تلك التي تحدث ببطء، بعيداً عن الأضواء. فالإخلاء التدريجي لعائلة، ومصادرة قطعة أرض، وتوسعة مستوطنة، وشق طريق جديد، وتغيير طبيعة منطقة، قد تبدو كل واحدة منها حادثة منفردة، لكنها عندما توضع على الخريطة تصبح أجزاءً من مشروع أكبر لإعادة تشكيل المدينة ومحيطها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأردن والعالم العربي والمجتمع الدولي ليس فقط: ماذا يحدث اليوم في القدس؟ بل: كيف ستبدو القدس بعد سنوات إذا استمرت هذه السياسات؟
وهنا تحديداً تتضح مسؤولية الأردن والدول العربية في منع تحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى حقائق سياسية دائمة.
إن حماية القدس تبدأ من حماية جغرافيتها، وحماية جغرافيتها تبدأ من حماية أهلها وأرضهم وحقهم في البقاء، ومنع اقتلاعهم أو عزل أحيائهم عن محيطهم الفلسطيني.
فالقدس ليست مجرد مدينة في خريطة، وليست قضية عقارية أو نزاعاً على حدود بلدية؛ إنها قلب القضية الفلسطينية، ورمز ديني وحضاري وإنساني يتجاوز حدود المنطقة.
ومن هنا، فإن معركة القدس اليوم هي معركة على الخريطة بقدر ما هي معركة على الهوية؛ وإذا كانت بعض المشاريع تسعى إلى إعادة رسم جغرافية المدينة، فإن المسؤولية الأردنية والعربية تقتضي العمل على حماية القدس كما هي: عربية الهوية، فلسطينية الانتماء، إسلامية ومسيحية المقدسات، ومفتوحة على مستقبل عادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني.
والأهم أن الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، يبقى واضحاً وثابتاً: لا تغيير في هوية القدس، ولا شرعية لضم الأرض بالقوة، ولا قبول بتحويل الاستيطان والتهجير إلى حقائق سياسية جديدة. فالقدس التي صمدت أمام محاولات تغيير هويتها عبر التاريخ، تستحق اليوم موقفاً عربياً ودولياً بحجم الخطر الذي يتهدد جغرافيتها ومستقبلها.