محليات

مختص: الأردن يمتلك فرصة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير التعليم

أكد أن وفرة البيانات والدعم للغة العربية دون الطموح

عبندة: جاهزية الخريج لسوق العمل تتطلب مهارات فنية ورقمية
المطلوب تحويل الذكاء الاصطناعي من أدوات فردية إلى قدرة وطنية

أكد أستاذ هندسة الحاسوب في الجامعة الأردنية والمتخصص في علوم وهندسة الحاسوب والذكاء الاصطناعي، الأستاذ الدكتور غيث عبندة، أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير منظومة التعليم وتأهيل الطلبة والخريجين لمتطلبات سوق العمل، مشيرا إلى أن التطورات المتسارعة في هذا المجال تستدعي تحديث المناهج وتعزيز المهارات الرقمية والعملية، إلى جانب تطوير قدرات الطلبة وأعضاء هيئة التدريس.
وقال عبندة، في مقابلة خاصة لـ$، إن الذكاء الاصطناعي يشهد حضورا متزايدا في التعليم الأردني، فيما تتطور قدرة النماذج الذكية على التعامل مع اللغة العربية واللهجات المختلفة، مؤكدا أهمية بناء شراكة متكاملة بين الجامعات والحكومة والقطاع الخاص لدعم البحث والابتكار وتطوير البنية الرقمية وحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تعزيز جودة التعليم ورفع تنافسية الاقتصاد الأردني.
وتاليا نص المقابلة:
الرأي: باعتبارك متخصصا في معالجة اللغة العربية حاسوبيا، أين تقف العربية اليوم مقارنة بالإنجليزية في نماذج الذكاء الاصطناعي؟
إذا أردنا أن نقارن حضور اللغة العربية في نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة الإنجليزية، فسنجد أن العربية ما زالت تحصل على دعم أقل نسبيًا. والسبب الرئيس هو أن كمية المحتوى الرقمي المتاح باللغة الإنجليزية، وكذلك بعض اللغات الأخرى مثل الصينية، أكبر بكثير، وهذا يوفر مادة أوسع لتدريب نماذج اللغة الكبيرة.
مع ذلك، فإن وضع العربية اليوم جيد جدًا ويتطور بسرعة، فالشركات العالمية تدرك أهمية اللغة العربية، فهي لغة يتحدث بها نحو 400 مليون إنسان، وتمثل سوقا ومجالا معرفيًا مهما، كما أن النماذج الحديثة متعددة اللغات تستفيد من المعرفة التي تتعلمها بلغات أخرى، ثم تنقل جزءا من هذه المعرفة إلى العربية من خلال ما يسمى بالتعلم متعدد اللغات.
لذلك يمكن القول إن العربية ليست في مستوى الإنجليزية من حيث وفرة البيانات والدعم، لكنها اليوم تحظى بأداء ممتاز في كثير من التطبيقات، وهذا الأداء يتحسن بصورة مستمرة مع تطور النماذج وزيادة المحتوى العربي الرقمي.
الرأي: أين يقف التعليم الأردني اليوم في استخدام الذكاء الاصطناعي؟
أعتقد أن التعليم الأردني انتبه مبكرا نسبيا إلى أهمية الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات. فقد بدأ الأكاديميون والتربويون بإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي في المناهج والمساقات، وتشجيع استخدام أدواته في التعلم والبحث والتدريس.
وفي الواقع، سبق الطلبة والمعلمون المؤسسات أحيانا، إذ بدأ كثير منهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة في الدراسة، وإعداد الواجبات، والبحث عن المعلومات، وتحضير المواد التعليمية، وحتى في مجالات الحياة اليومية.
لكن الصورة ليست متجانسة؛ فدرجة الاستخدام والوعي تختلف كثيرا من مؤسسة إلى أخرى ومن معلم إلى آخر ومن طالب إلى آخر. بعض الجامعات والمدارس قطعت خطوات جيدة في التدريب ووضع السياسات، بينما ما زالت مؤسسات أخرى في مرحلة التعرف إلى هذه الأدوات.
والتحدي الآن ليس مجرد إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، بل استخدامه بطريقة واعية ومنهجية، بحيث يعزز التفكير والتعلم والإبداع، ولا يتحول إلى بديل عن جهد الطالب أو قدرته على التحليل.
الرأي: : هل خريجو الجامعات اليوم يمتلكون المهارات التي يحتاجها سوق العمل؟
بشكل عام، يمتلك خريجو الجامعات الأردنية قدرا معقولا من المهارات التي يحتاجها سوق العمل، لكن هناك تفاوتًا واضحًا بين الخريجين أنفسهم وبين الجامعات في مستوى إعدادهم. فالجامعة توفر الأساس العلمي، إلا أن جاهزية الخريج للعمل تعتمد أيضا بدرجة كبيرة على جهده الشخصي، وتدريبه العملي، ومتابعته للتطورات في تخصصه، وقدرته على اكتساب مهارات إضافية خارج حدود الخطة الدراسية.
كذلك تتفاوت الجامعات الأردنية في اهتمامها بربط التعليم بسوق العمل؛ فبعضها متقدم جدا في التدريب العملي، والتواصل مع الصناعة، وتنمية مهارات التوظيف وريادة الأعمال، بينما تحتاج جامعات أخرى إلى مزيد من التطوير في هذا المجال.
وأرى أن هذه القضية يجب أن تبقى أولوية عالية. فالسوق اليوم لا يبحث عن المعرفة الأكاديمية وحدها، بل عن مزيج من المهارات الفنية والرقمية، ومهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، والقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
الرأي: ما الذي يجب أن يتغير في المناهج الجامعية لمواكبة الذكاء الاصطناعي؟
أرى أن التغيير المطلوب في المناهج الجامعية يجب أن يكون أعمق من مجرد إضافة مساق اختياري عن الذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تتضمن جميع التخصصات قدرا مناسبًا من المعرفة بأساسيات الذكاء الاصطناعي، وكيفية استخدام أدواته بصورة صحيحة وفعالة وأخلاقية، مع زيادة الجانب العملي بصورة واضحة في تخصصات الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات والهندسة.
لكن الأهم هو إعادة النظر في طريقة التعليم نفسها، فالذكاء الاصطناعي يتيح الانتقال من نموذج التعليم الموحد، الذي يتلقى فيه جميع الطلبة المحتوى نفسه بالطريقة نفسها، إلى تعليم أكثر تخصيصًا ومرونة، يمكن لكل طالب أن يستفيد من معلّم ذكي أو AI Tutor يشرح له بحسب مستواه، ويعطيه تدريبات إضافية، ويتابع نقاط ضعفه، ويقدم له تغذية راجعة فورية.
هذا التحول لا يلغي دور الأستاذ الجامعي، بل يرفع قيمته؛ إذ ينتقل دوره أكثر نحو التوجيه، وبناء التفكير النقدي، وتصميم الخبرات التعليمية، ومناقشة المشكلات المعقدة التي لا يكفي فيها مجرد الحصول على إجابة جاهزة.
الرأي: هل النماذج الذكية تفهم اللهجات العربية بنفس كفاءة اللغة الفصحى؟
نعم، أصبحت النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي قادرة على فهم قدر كبير من اللهجات العربية والتعامل معها بصورة جيدة، بما في ذلك اللهجات الشامية والخليجية والمصرية والمغاربية وغيرها، لكنها، بصورة عامة، لا تزال أكثر كفاءة عند التعامل مع اللغة العربية الفصحى.
يرجع ذلك إلى سببين رئيسين. الأول أن المحتوى الرقمي المكتوب والمتاح للتدريب باللغة الفصحى أكبر وأكثر تنظيمًا من المحتوى المتاح باللهجات، أما السبب الثاني فهو أن الفصحى لها قواعد ومعايير لغوية مستقرة نسبيا، في حين تختلف اللهجات بين الدول والمناطق، بل أحيانا بين المدن، كما أن طريقة كتابتها ليست موحدة؛ فقد تُكتب الكلمة اللهجية نفسها بأشكال مختلفة.
ومع ذلك، فإن أداء النماذج في فهم اللهجات يتحسن بسرعة، خصوصا مع زيادة المحتوى العربي الرقمي وتطوير بيانات تدريب متخصصة، وأتوقع أن تصبح القدرة على التعامل مع اللهجات أكثر دقة خلال السنوات القادمة، وهو أمر مهم لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي عربية أقرب إلى الاستخدام اليومي للناس.
الرأي: ما المطلوب من الجامعات والحكومة والقطاع الخاص لدعم هذا المجال؟
المطلوب هو جهد وطني كبير ومستمر ومتكامل؛ لأن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية عابرة، بل تحول سيؤثر في التعليم والاقتصاد والإدارة والخدمات ومعظم مجالات الحياة، على الجامعات أن تسرّع إدماجه في التعليم والبحث العلمي، وأن تطور البرامج والمناهج وتؤهل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس لاستخدامه بكفاءة، وعلى الحكومة أن توفر البيئة الداعمة من بنية رقمية وتشريعات وسياسات وتشجيع للبحث والابتكار والاستثمار في هذا المجال.
أما القطاع الخاص، فعليه دور أساسي في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار فيها، والتعاون مع الجامعات في التدريب والبحث والتطوير، وتحديد المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا يكون الهدف هو الاستخدام فقط، بل حوكمة الاستخدام أيضا، من خلال سياسات واضحة تحمي الخصوصية والبيانات والملكية الفكرية، وتعزز الشفافية والمسؤولية، والنجاح يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص، بحيث يتحول الذكاء الاصطناعي من أدوات يستخدمها الأفراد إلى قدرة وطنية تسهم في رفع الإنتاجية والتنافسية وتحسين الخدمات.
الرأي: هل المشكلة التي يواجهها الخريج هي نقص المعرفة أم الفجوة بين ما يتعلمه في الجامعة وما يحتاجه سوق العمل؟
في الحقيقة، المشكلة تجمع بين الأمرين: نقص بعض المعارف والمهارات لدى الخريج، ووجود فجوة بين ما يتعلمه في الجامعة وما يحتاجه سوق العمل. فالتطور السريع في التكنولوجيا، خصوصا في الذكاء الاصطناعي، يجعل بعض المعارف والمهارات المطلوبة تتغير بوتيرة أسرع من تحديث الخطط الدراسية التقليدية.
لكن المسؤولية ليست على الجامعة وحدها. فالطالب أيضا مطالب بأن يدرك أن التعلم لا ينتهي عند حدود المساقات الجامعية، وأن يطور نفسه من خلال التدريب والمشاريع والتعلم الذاتي واستخدام التقنيات الحديثة.
وفي المقابل، ينبغي للجامعات أن تراجع برامجها باستمرار، وأن توسع التدريب العملي والتعاون مع القطاع الخاص، وأن تركز على المهارات الفنية والرقمية والمهارات الناعمة إلى جانب المعرفة الأكاديمية.