البطاينة: خط الديسي شريان حيوي لمنظومة التزويد المائي
الدحيات: الاعتداءات تلحق أضراراً بالغة بعمليات التزويد المائي
الحياصات: الاعتداءات على خط الديسي خطرة لمروره في مناطق نائية
منظومة حماية متكاملة للناقل الوطني لضمان استدامة تشغيله
الحفر المخالف للآبار أبرز أشكال الاعتداء على المصادر الجوفية
عقوبات رادعة بحق المعتدين تشمل الحبس لـ5 سنوات
حماية مصادر المياه من خلال الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة
عمليات الإصلاح ليست سهلة وتربك أدوار التزويد
أهمية دراسة أسباب الاعتداءات على منظومة الديسي
قال أمين عام وزارة المياه والري، سفيان البطاينة، إن الاعتداءات على مصادر المياه في الأردن تمثل ظاهرة خطيرة تستنزف قطاع المياه، وتكبده جهودًا وأعباء مالية وإجراءات متواصلة للحد منها، مؤكدًا أن الوزارة تنفذ بشكل مستمر حملات لإحكام السيطرة على مصادر المياه وحمايتها.
وأوضح أن قطاع المياه سجل خلال عام 2025 أكثر من 14 ألف اعتداء على شبكات ومصادر المياه، مبينًا أن هذه الاعتداءات تسببت في خسارة ما يزيد على 27 مليون متر مكعب من المياه.
وأضاف أن من بين أخطر وأصعب الاعتداءات تلك التي تستهدف الخطوط الناقلة الرئيسية، وفي مقدمتها خط مياه الديسي، الذي وصفه بأنه «شريان حيوي» لمنظومة التزويد المائي في المملكة، إذ يزود الأردن بأكثر من 100 مليون متر مكعب من المياه سنويًا.
وأشار البطاينة إلى أن الاعتداءات على منظومة الخطوط الناقلة تشكل تهديدًا خطيرًا، لا سيما أنها قد تضطر الجهات المعنية في بعض الأحيان إلى إغلاق المصدر المائي لإجراء أعمال الصيانة، الأمر الذي ينعكس على عمليات التزويد المائي.
وبيّن أن اكتشاف الاعتداءات يتم من خلال بلاغات المواطنين، إلى جانب رصد فروقات الضغط على الخطوط الناقلة عبر منظومة التحكم المركزية، موضحًا أنه عند ظهور أي اختلاف في الضغوط، يتم التحقق من وجود خلل أو تهريب للمياه، ثم تبدأ عمليات البحث لتحديد موقع الاعتداء ومعالجته.
وأكد البطاينة أن الأردن، باعتباره من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، يواجه تحديًا كبيرًا جراء هذه الاعتداءات، التي تكلف قطاع المياه جهودًا وأموالًا كبيرة، مشيدًا في الوقت ذاته بدور الأجهزة الأمنية في ضبط العديد من الاعتداءات والمساهمة في الحد منها ومعالجتها.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن الحفر المخالف للآبار يعد من أبرز أشكال الاعتداء على مصادر المياه الجوفية، مشيرًا إلى أن الوزارة تنفذ حملات متعددة في مختلف مناطق المملكة لضبط هذه المخالفات وحماية مصادر المياه.
وشدد البطاينة على أن الاعتداء على أي مصدر مائي يمثل اعتداءً على حقوق جميع المواطنين، موضحًا أن استغلال أي مصدر مائي بصورة غير مشروعة يحرم الآخرين من حصصهم المائية ويؤثر في منظومة التزويد المائي بشكل عام.
وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية، قال البطاينة إن المشرّع الأردني جرم الاعتداء على مصادر المياه بموجب التعديلات الأخيرة على قانون سلطة المياه، ولا سيما المادة 30، التي تضمنت عقوبات رادعة بحق المعتدين.
وأوضح أن العقوبات تشمل الحبس لمدة تصل إلى خمس سنوات، إلى جانب غرامات مالية تصل إلى آلاف الدنانير، بهدف ردع كل من يحاول الاعتداء على مصادر المياه أو استغلالها بصورة مخالفة للقانون.
وأشار إلى أن قطاع المياه يعمل ضمن استراتيجية متكاملة للحد من هذه الاعتداءات، تبدأ بالتنسيق الأمني المشترك مع مختلف الأجهزة الأمنية، وبالتعاون مع كوادر سلطة المياه ومديرية الأمن العام والإدارة الملكية لحماية البيئة، إضافة إلى القوات المسلحة في العديد من الحالات التي تتطلب حماية مصادر المياه.
وكشف البطاينة عن توجه الوزارة إلى تحديث منظومة حماية مصادر المياه، من خلال الاستفادة من التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، بما في ذلك تركيب أجهزة استشعار على الخطوط المائية، بهدف اكتشاف الاعتداءات والتسربات في أقرب وقت ممكن، وبالتالي تقليل الفاقد المائي.
وأكد أن حماية مصادر المياه لا تقع على عاتق الجهات الحكومية وحدها، بل تتطلب شراكة ووعيًا مجتمعيًا، مبينًا أن هذه المصادر هي ملك لجميع الأردنيين، وأن الدولة تنفق ملايين الدنانير للحفاظ عليها وتأمينها وتوفيرها لأغراض الشرب والزراعة والاستخدامات المنزلية والصناعية والسياحية.
ودعا البطاينة المواطنين إلى التعاون مع قطاع المياه في حماية المصادر المائية، والحرص على الإبلاغ عن أي حالات هدر للمياه أو اعتداء على مصادرها، مؤكدًا أن التشاركية والوعي المجتمعي يمثلان السبيل الأهم للحد من هذه الظاهرة.
من جهتة قال الخبير المائي المهندس إياد الدحيات إن منظومة مياه مشروع الديسي، التي بدأت التشغيل بكامل طاقتها عام 2014، تعد من أهم المنظومات المائية التي تزود محافظتي العاصمة عمّان والزرقاء بالمياه، إذ تصل كميات الضخ اليومية في ذروة فصل الصيف إلى نحو 300 ألف متر مكعب، بما يشكل قرابة 50% من الاحتياجات اليومية للمياه في المحافظتين.
وأكد أن أي اعتداء على هذه المنظومة الاستراتيجية يلحق ضرراً بالغاً بعمليات التزويد المائي، مشيراً إلى أن الاعتداء الأخير على إحدى الخطوط الرئيسية يأتي استمراراً لمسلسل من الاعتداءات التي تتعرض لها منظومة الديسي.
وأوضح الدحيات أن الاعتداءات المسجلة على المنظومة منذ بداية العام تجاوزت، وفق الجهات المختصة، 1300 اعتداء، الأمر الذي يؤثر بمجمله على استمرارية التزويد المائي وانتظامه.
وبيّن الدحيات أن الاعتداء الأخير، وعلى الرغم من أنه أدى إلى تسرب كمية مياه تقدر بنحو 5 آلاف متر مكعب يومياً، أي ما يعادل نحو 2% من إجمالي التزويد اليومي لمنظومة الديسي، إلا أن عمليات الإصلاح ليست بالسهولة التي قد توحي بها كمية المياه المتسربة، إذ تتطلب في بعض الحالات إيقاف الضخ بشكل كامل، ومن ثم إعادة تشغيل المنظومة بعد فترة قد تصل إلى 72 ساعة.
وأشار إلى أن مثل هذه الإجراءات تنعكس بصورة مباشرة على برامج توزيع المياه الأسبوعية المعلنة، وتتسبب في إرباك أدوار التزويد لعدد كبير من مناطق التوزيع والأحياء السكنية، ما يضاعف آثار الاعتداء حتى وإن كانت كمية المياه المتسربة محدودة نسبياً.
وفي هذا السياق، شدد الدحيات على ضرورة الاستفادة من الدروس التشغيلية والأمنية المستخلصة من تجربة منظومة مياه الديسي عند تنفيذ وتشغيل مشروع الناقل الوطني مستقبلاً، لا سيما أن الأخير سيشكل، بحسب التصورات المطروحة، ركناً أساسياً في منظومة الأمن المائي الوطني، ويمتد لمسافة تقارب 430 كيلومتراً من جنوب المملكة باتجاه العاصمة عمّان.
ولفت إلى أهمية دراسة أسباب الاعتداءات على منظومة الديسي، وتحديد المناطق والنقاط والبؤر الساخنة التي تتركز فيها، والاستفادة من هذه البيانات في تصميم منظومة حماية متكاملة للناقل الوطني، بما يضمن استدامة تشغيله ويحد من احتمالات تعرضه للاعتداءات.
ودعا الدحيات إلى تعزيز منظومة حماية الناقل الوطني بمجموعة متكاملة من الوسائل الحديثة، تشمل أنظمة الأسوار والإنذار، والمراقبة المرئية، إلى جانب مواصلة استخدام الطائرات المسيّرة (الدرونز)، وأنظمة الاستشعار عن بُعد والحلول الرقمية، لمراقبة مسارات خطوط النقل الممتدة على طول المشروع.
وأكد في الوقت ذاته أهمية تبني مفهوم «المراقبة الذكية» وتوظيف التقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في رصد خطوط الناقل الوطني وتحليل البيانات واكتشاف أي اعتداءات أو أعطال أو تغيرات غير طبيعية في وقت مبكر، بما يسهم في سرعة الاستجابة وتقليل آثار أي حادث على عمليات التزويد المائي.
وشدد الدحيات على أن حماية البنية التحتية للناقل الوطني لا تقل أهمية عن تنفيذ المشروع نفسه، باعتبار أن استدامة الأمن المائي لا ترتبط فقط بتوفير مصدر جديد للمياه، وإنما كذلك بضمان سلامة منظومات النقل والتوزيع وقدرتها على العمل بكفاءة واستمرارية.
من جانبه قال الخبير المائي إبراهيم حياصات إن قطاع المياه يعاني منذ فترة طويلة من مشكلة الاعتداءات على خطوط المياه ومصادرها، مبينًا أن هذه الاعتداءات تنعكس بشكل مباشر على كميات المياه المفترض أن تصل إلى المواطنين، فضلًا عن الأعباء الإضافية التي يتحملها القطاع نتيجة أعمال الإصلاح والكميات المهدورة.
وأوضح حياصات أن الاعتداءات على خط الديسي تكتسب خطورة خاصة، نظرًا لمروره في مناطق نائية وخالية إلى حد كبير، لافتًا إلى أن هذه المناطق لا تشهد كثافة سكانية، وبالتالي فإن كميات المياه التي تتسرب نتيجة الاعتداءات تذهب في كثير من الأحيان هدراً دون أن يستفيد منها أحد.
وأشار إلى أن خط الديسي يتميز بقطر كبير وكميات مياه ضخمة وضغوط مرتفعة، الأمر الذي يجعل أي اعتداء عليه قادرًا على التسبب بهدر كميات كبيرة من المياه خلال فترة قصيرة، مؤكدًا أن ذلك يشكل تحديًا حقيقيًا أمام جهود قطاع المياه في المحافظة على الموارد المائية.
وفي هذا السياق، شدد حياصات على أن الجهات الرسمية لا تستطيع وضع عناصر أمنية على كل موقع من مواقع خطوط المياه الممتدة في المملكة، موضحًا أن حماية هذه الخطوط تتطلب، إلى جانب الجهود الحكومية والرسمية، تعاونًا مباشرًا من المواطنين.
وأضاف أن المشكلة تكمن أحيانًا في إحجام بعض المواطنين عن الإبلاغ عن الاعتداءات، من منطلق أن الأمر لا يعنيهم، مؤكدًا أن هذا الاعتقاد غير صحيح، لأن أي اعتداء على مصادر المياه أو خطوط نقلها بصورة غير مشروعة ينعكس في النهاية على جميع المواطنين وعلى كميات المياه التي تصل إلى منازلهم.
ودعا حياصات المواطنين إلى تحمل مسؤولياتهم والإبلاغ عن أي اعتداءات أو تجاوزات تطال مصادر المياه أو خطوط نقلها، مبينًا أن المياه مورد مشترك، وأن الجميع سيتأثر بأي تراجع في كميات المياه المتاحة أو ارتفاع في مستويات الفاقد.
وأكد أن تعزيز ثقافة الإبلاغ والرقابة المجتمعية يمثلان عنصرين أساسيين في حماية مصادر المياه، مشيرًا إلى أن المواطن لا يمكن أن يتعامل مع الاعتداءات على أنها قضية لا تعنيه، لأن آثارها ستصل في نهاية المطاف إلى منظومة التزويد المائي والخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي جانب آخر، تطرق حياصات إلى قضية كميات المياه غير المدفوعة أو المهدورة، موضحًا أن قطاع المياه يعمل منذ سنوات على حصر هذه الكميات والحد منها، بهدف تقليل الفاقد ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية.
وبيّن أن الاعتداءات التي وقعت على خط الديسي مؤخرًا أدت إلى زيادة كميات المياه المهدورة، الأمر الذي يمثل تحديًا إضافيًا للجهود التي يبذلها قطاع المياه في هذا المجال، ويعرقل مساعيه الرامية إلى خفض نسب الفاقد المائي.
ولفت حياصات، في هذا الإطار، إلى حاجة قطاع المياه إلى مزيد من الدعم في مجال الرقابة على خطوط المياه، والتأكد من الحد قدر الإمكان من وقوع الاعتداءات، مشيرًا إلى أن ذلك يتطلب توفير إمكانات مالية وبشرية إضافية، إلى جانب تعزيز عمليات المتابعة والمراقبة.
وأشاد بالجهود التي يبذلها قطاع المياه منذ فترة طويلة لمعالجة مشكلة الفاقد والحد من الاعتداءات، معتبرًا أن هذه الجهود بدأت تنعكس بصورة إيجابية على مستويات الفاقد، وأن هناك تحسنًا تدريجيًا في هذا الجانب.
غير أنه أكد في الوقت ذاته أن وقوع اعتداءات كبيرة، ولا سيما على خطوط استراتيجية مثل خط الديسي، يزيد من حجم التحديات التي تواجه قطاع المياه، ويضع ضغوطًا إضافية على الجهود المبذولة للحفاظ على الموارد المائية وتقليل نسب الفاقد.
وشدد حياصات على أن مواجهة الاعتداءات على خطوط المياه ومصادرها تتطلب تكاملًا بين الجهود الرسمية والأمنية والمجتمعية، مؤكدًا أن حماية المياه مسؤولية مشتركة، وأن الإبلاغ المبكر عن أي اعتداء يمكن أن يسهم في الحد من الخسائر وحماية كميات المياه المخصصة للمواطنين.