لكن هذه الحيوية، بمساحاتها ونقاشاتها ومناخاتها، لا تجد صداها الكافي في مشهدنا الثقافي ومنتدياتنا العامة.
هناك فجوة واضحة بين زخم النقاش التنموي والسياسي، وبين حضور الثقافة بمعناها العميق؛ والمراقب يلمس في المقابل تعطشا حقيقيا لدى المجتمع لتوسيع مدارك النقاش وتلوينه بأدبيات تتجاوز اليومي.
ولسنا فقراء في هذا المخزون فتاريخنا الأردني ليس أرقاما وتواريخ، بل سير حية ورموز ملهمة… من روكس العزيزي الذي حفظ ذاكرة المكان والرواية الشفوية، إلى وصفي التل الذي جسد فكرة الدولة المنتجة والكرامة، إلى تيسير السبول وغالب هلسا اللذين طرحا أسئلة الهوية والعدالة مبكرا، وصولا إلى حبيب الزيودي بصوته الريفي العذب، وغيرهم كثر.
لدينا ذخيرة من تحولات في السياسة والإدارة والأدب تستحق أن نستحضرها ونحاورها لا أن نؤرشفها فقط.
كما أننا أغنياء بجغرافيا استثنائية كتبت خصوصيتنا.. من آثار جرش والبترا إلى قلاع الكرك وعجلون والشوبك، إلى مدرجات عمان وكنائس مادبا وبادية وادي رم. هذه ليست مجرد مواقع سياحية، بل نصوص مفتوحة تروي عناوين مهمة من تاريخ بلاد الشام والعالم، وتصلح لتكون أساسا لقوة ناعمة أردنية لا يملكها كثيرون.
إن الثقافة اليوم بحاجة إلى وقفة جادة، نحتاج إلى عصف ذهني وطني، إلى مؤتمر أو لقاء جامع يتداعى إليه مثقفون وباحثون وفنانون وشباب ناشطون، ليس للتنظير، بل لتقييم تجربتنا الثقافية بصراحة، والخروج بأفكار قابلة للتنفيذ تدعم حضورنا الثقافي داخليا وخارجيا.
فالتحديات التي نواجهها من تعصب تواجه بثقافة تحفز المجتمع وتعيد الاعتزاز بالذات.
وكما رأى كثير من المفكرين، الثقافة والمجتمع وجهان لعملة واحدة، تقدم أحدهما مرتبط بتقدم الآخر.
وهذا لا يحتاج لميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج لتنشيط المتاح والاهتمام الجاد بالموروث الشعبي والفن الفلكلوري، وإبراز الجوانب الجامعة في ثقافتنا وتقديمها بلغة هذا الجيل عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنتاج فيديوهات إبداعية قصيرة تنمي الإحساس الجمعي، والأخذ بيد المبادرات الشابة في مؤسساتنا الثقافية.
الثقافة في زمن العصر الرقمي هي قوة ناعمة تتجاوز الحدود، وتخلق صورة نمطية وحقيقية، عن الشعوب الحية.
لقد كانت الثقافة في كثير من مراحلنا قوتنا الأكثر تأثيرا؛ ومن يستمع لنقاش بسيط في مجالس الناس، يدرك كم من الحكايات لدينا لتروى عن الأردن، وفيه، ومنه. لكنها غائبة لأننا تركناها تلامس حد الترف، بينما هي في جوهرها حاجة للروح والانتماء. إنها ما يحفظه المجتمع من قصص وأشعار وتاريخ وما تتناقله الأجيال، هذه الكنوز هي هوية الشعوب وقيمهم الأصيلة وموروثهم الشعبي... فهل نبدأ؟