تستعد الهيئة المستقلة للانتخاب لإجراء استحقاقين انتخابيين اقتصاديين مهمين خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، يتمثل الأول في انتخابات مجالس إدارة الغرف الصناعية وممثلي القطاعات الصناعية، التي حدد مجلس مفوضي الهيئة يوم السبت الموافق 3/10/2026 موعدا للاقتراع فيها، فيما يتمثل الاستحقاق الثاني في انتخابات مجالس إدارة غرف التجارة وممثلي القطاعات التجارية، والمقرر إجراؤها في شهر كانون الأول القادم.
ولهذه الغاية، باشرت الهيئة منذ أسابيع الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بانتخابات غرف الصناعة، من إعداد جداول الناخبين ونشرها واستقبال الاعتراضات عليها، وصولا إلى فتح باب الترشح، على أن تتبعها بعد نحو شهرين انتخابات غرف التجارة. ويكتسب هذان الاستحقاقان أهمية تتجاوز طبيعتهما الصناعية والتجارية، ليثيرا مسألة دستورية مهمة تتعلق بالدور الذي أصبحت تضطلع به الهيئة المستقلة في إدارة العمليات الانتخابية في الأردن، والذي لم يعد مقتصرا على الانتخابات النيابية والبلدية، وإنما امتد ليشمل انتخابات أخرى يقرر مجلس الوزراء تكليفها بإدارتها أو الإشراف عليها وفق أحكام الدستور والقانون.
فالمادة (67/2) من الدستور، بحلتها المعدلة عام 2014، تنص على إنشاء هيئة مستقلة تدير الانتخابات النيابية والبلدية وأي انتخابات عامة وفقا لأحكام القانون، كما تجيز لمجلس الوزراء تكليف الهيئة بإدارة أي انتخابات أخرى أو الإشراف عليها، بناء على طلب الجهة المخولة قانونا بإجراء تلك الانتخابات. ومن ثم، فقد أقام المشرع الدستوري نظاما مزدوجا لاختصاص الهيئة الانتخابي؛ اختصاصا أصيلا تمارسه في الانتخابات التي أسند الدستور إدارتها إليها، واختصاصا تكليفيا يمتد إلى انتخابات أخرى متى استوفيت الشروط الدستورية والقانونية اللازمة لذلك.
وإعمالا لهذا الاختصاص الدستوري في انتخابات غرف الصناعة والتجارة، فقد جرى تعديل الأنظمة ذات الصلة بالغرف الصناعية والتجارية عام 2018، بحيث نصت صراحة على تولي الهيئة إدارة انتخابات مجالس إدارتها وانتخابات ممثلي القطاعات الصناعية والتجارية والإشراف عليها، بقرار من مجلس الوزراء بناء على طلب الوزير المعني، وذلك إعمالا للنص الدستوري ذي الصلة.
ولا يقتصر دور الهيئة في هذه الانتخابات على الإشراف العام، وإنما يمتد إلى الإدارة الفعلية لمختلف مراحل العملية الانتخابية. ففي انتخابات غرف الصناعة، أصدرت الهيئة التعليمات التنفيذية المتعلقة بجداول الناخبين والمترشحين، وتشكيل اللجان وإجراءات الاقتراع والفرز، إضافة إلى تنظيم الدعاية الانتخابية، كما تتولى الإجراءات اللاحقة وصولا إلى إعلان النتائج وإعداد تقرير نهائي عن مجريات العملية الانتخابية.
وهذا الامتداد في الاختصاص يعكس تطورا مهما في مفهوم الإدارة الانتخابية في الدولة الأردنية. فالغاية من إنشاء الهيئة المستقلة للانتخاب عام 2012 لم تكن مجرد إيجاد جهاز إداري يتولى إجراء الانتخابات النيابية، وإنما تكريس مبدأ مؤسسي يقوم على إبعاد إدارة العملية الانتخابية عن الجهات الحكومية المباشرة وإسنادها إلى هيئة مستقلة نص الدستور على إنشائها، بما يعزز الحياد والثقة والشفافية، ويرسخ نهجا مؤسسيا موحدا في إدارة الاستحقاقات الانتخابية المختلفة.
وتتجلى أهمية هذا النهج في أن إجراء انتخابات الهيئات الاقتصادية والقطاعية من خلال جهة دستورية مستقلة يعزز ثقة أعضاء الهيئات العامة بنتائجها، ويحد من احتمالات التشكيك في حياد الجهة التي تديرها، خاصة في انتخابات تتنافس فيها مصالح اقتصادية وتجارية وصناعية متعددة. فالاستقلال في الإدارة الانتخابية لا تقتصر أهميته على الانتخابات السياسية والمحلية، وإنما يمكن أن تكون له قيمة مماثلة في انتخابات مؤسسات ذات تأثير اقتصادي واجتماعي واسع.
وتطرح تجربتا غرفتي الصناعة والتجارة تساؤلا أوسع حول مستقبل الإدارة الانتخابية في الأردن، ومدى إمكانية توسيع الاستفادة من الهيئة المستقلة للانتخاب بوصفها مرجعية وطنية متخصصة في إدارة أنواع مختلفة من العمليات الانتخابية. فالنص الدستوري يتيح مساحة لهذا التطور من خلال إجازته لمجلس الوزراء تكليف الهيئة بإدارة انتخابات أخرى أو الإشراف عليها، وهو ما يفتح المجال لدراسة مدى ملاءمة الاستفادة من خبراتها في انتخابات النقابات المهنية والجمعيات والهيئات المختلفة، متى توافرت المتطلبات الدستورية والقانونية اللازمة لذلك.
وفي ضوء هذا التطور، وبعد أكثر من عقد على إنشائها، أخذت الهيئة المستقلة للانتخاب تكرس مكانتها كبيت خبرة وطني في الإدارة الانتخابية، مستندة إلى خبرة متراكمة وقدرات إدارية وفنية متخصصة. وتأتي انتخابات غرفتي الصناعة والتجارة لتجسد هذا الدور الدستوري المتنامي، وتؤكد أن نزاهة الانتخابات، أيا كانت طبيعتها، ترتبط باستقلال الجهة التي تديرها والثقة بإجراءاتها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية